
عون في واشنطن… زيارة على وقع الحرب واتفاق الإطار
يوليو 20, 2026
في التسعينيات أُزيح أنصار الدولة… واليوم يجب إزاحة أعدائها
يوليو 21, 2026في مقاله الثالث بعنوان “مسيحيو لبنان… وجودهم رهن خياراتهم” في “أساس ميديا”، ينطلق كريم الراعي من فرضية غير منطقية يبني عليها استنتاجات تتجاهل العامل الأكثر تأثيراً في لبنان منذ عقود: المشاريع الإقليمية التوسعية التي صادرت الدولة وحوّلت لبنان إلى ساحة صراعات الآخرين.
لا يمكن فهم أزمة المسيحيين، ولا أزمة المسلمين، ولا أزمة الدولة اللبنانية، إذا جرى تجاوز هذه الحقيقة الأساسية. فلبنان لم ينهَر فحسب بسبب خلافات داخلية على الإدارة أو الرئاسة أو الحصص، بل لأن الدولة وقعت تباعاً تحت وصاية النظام الأسدي، ثم تحت هيمنة المشروع الإيراني. وفي ظل الاحتلال أو الهيمنة، لا يعود ممكناً الحديث عن دولة طبيعية أو حياة سياسية طبيعية أو تنافس ديمقراطي طبيعي.
من هنا، يصبح من غير المنصف وضع جميع الأحزاب المسيحية في سلة واحدة. فهناك من ساير مشاريع الوصاية والإلحاق طمعاً بالسلطة أو حفاظاً على موقعه، وهناك من واجه هذه المشاريع ودفع أثماناً باهظة من دماء أبنائه، ومن حرية قياداته، ومن حضوره السياسي. والمساواة بين التجربتين تلغي الفارق بين من قاوم ومن تكيّف.
كما أن القول إن التحدي كان الانتقال من عقلية قيادة الدولة إلى عقلية الدفاع عن المواقع داخلها، يتجاهل أن الدولة نفسها كانت مغيّبة. كيف يمكن قيادة دولة لا تملك قرارها؟ وكيف يمكن تطوير نظام سياسي فيما قرار الحرب والسلم، والسياسة الخارجية، والأمن الوطني، ليست في يد المؤسسات الدستورية؟
والحديث عن أن معظم المعارك دارت حول الحصص يغفل أن معركة التمثيل، بالنسبة إلى القوى السيادية، لم تكن هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لمنع استكمال سيطرة مشروع الوصاية على مؤسسات الدولة. فالمسألة لم تكن مقاعد وزارية أو نيابية، بل منع تحويل الدولة إلى أداة بيد مشروع خارجي.
أما الدعوة إلى رؤية استراتيجية مشتركة بين القوى المسيحية، فتتجاهل أن الانقسام لم يكن على تفاصيل إدارية، بل على الخيار الوطني نفسه. كيف يمكن بناء رؤية مشتركة بين من يعتبر السلاح غير الشرعي خطراً على لبنان، ومن يبرره أو يتحالف مع حامليه؟ وكيف يمكن مساواة من قاوم الوصاية بمن وفّر لها الغطاء السياسي؟
كذلك، فإن الحديث عن تطوير النظام السياسي قبل استعادة سيادة الدولة يقلب الأولويات. فكل إصلاح دستوري أو إداري يبقى حبراً على ورق إذا كانت الدولة فاقدة لقرارها الحر. التجربة اللبنانية أثبتت أن المشكلة لم تكن في النصوص، بل في تعطيلها بالقوة.
أما اعتبار أن القيادات التي نشأت في ظروف الحرب تعاني أزمة شرعية، فهو يتجاهل أن الحرب لم تكن خياراً عند كثيرين، بل فرضت عليهم دفاعاً عن لبنان وسيادته ووجوده. وفي تاريخ الشعوب، لا تُنتقص شرعية من حمل السلاح دفاعاً عن وطنه عندما تكون الدولة عاجزة أو مغيبة، بل هو محط تقدير كونه ترك كل شيء دفاعاً عن وطنه وبيئته.
وأخيراً، فإن المشروع الوطني الجامع موجود منذ الاستقلال، وهو الدستور اللبناني واتفاق الطائف. المشكلة لم تكن يوماً في غياب المشروع، بل في وجود قوى عطّلت تطبيقه بقوة السلاح، وربطت لبنان بمحاور خارجية، ومنعت قيام الدولة.
إن أزمة المسيحيين ليست منفصلة عن أزمة لبنان، وأزمة لبنان ليست أزمة زعامات أو حصص أو رؤى دستورية، بل هي أولاً أزمة سيادة. وعندما تستعيد الدولة سيادتها الكاملة، يصبح النقاش حول تطوير النظام، وتحديث الدولة، وتحسين الأداء السياسي، نقاشاً طبيعياً ومطلوباً. أما القفز فوق أصل المشكلة، فهو يؤدي إلى تشخيص ناقص، وبالتالي إلى استنتاجات لا تلامس حقيقة ما عاشه ويعيشه لبنان.
في ما يلي النص الكامل لمقال كريم الراعي.

شكّل المسيحيّون، لا سيما الموارنة منهم، أحد الأعمدة الأساسيّة في تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، ثمّ في صياغة الميثاق الوطنيّ الذي قام على الشراكة بين المسيحيّين والمسلمين عام 1943. ولم يكن الدور المسيحيّ حضوراً ديمغرافيّاً وحسب، بل كان مشروعاً سياسيّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً ساهم في بناء مؤسّسات الدولة الحديثة، وترسيخ التعليم والانفتاح والعلاقات مع الغرب والعالم العربيّ في آن واحد.
لكن بعد أكثر من قرن على قيام لبنان الكبير، تبدو الساحة المسيحيّة وكأنّها تعيش أزمة عميقة تتجاوز الخلافات الحزبيّة وتطال مفهوم الدور والهويّة والقيادة والمستقبل.
تغيّر لبنان جذريّاً خلال العقود الماضية. فقد تبدّلت موازين القوى الديمغرافيّة والسياسيّة، وأدّت الحرب الأهليّة والهجرة الواسعة والانهيار الاقتصاديّ إلى تقليص الوزن العدديّ للمسيحيّين داخل البلاد. إلّا أنّ التحدّي الحقيقيّ كان في الانتقال من عقليّة قيادة الدولة إلى عقليّة الدفاع عن الموقع داخلها.
صراع على التّمثيل والمحاصصة
أصبحت معظم المعارك السياسيّة المسيحيّة تدور حول الحصص في الإدارة، التمثيل الوزاريّ، ورئاسة الجمهوريّة، فيما تراجع النقاش في بناء الدولة نفسها. وهكذا تحوّل الصراع من التنافس على مشروع وطنيّ إلى التنافس على مواقع السلطة.
في هذا الإطار، لم يتحوّل احتكار الأحزاب المسيحيّة لقواعد شعبيّة واسعة تعبّر عن ذاتها في الانتخابات من قوّة انتخابيّة إلى مشروع سياسيّ موحّد.
تطرح “القوّات اللبنانيّة” نفسها باعتبارها رأس حربة في مشروع السيادة وحصر السلاح بيد الدولة، بينما يرى “التيّار الوطنيّ الحرّ” أنّ الإصلاح وبناء الدولة يتطلّبان توازنات داخليّة وتحالفات مختلفة، وقد دفع ثمناً سياسيّاً كبيراً نتيجة خياراته وتحالفاته. أمّا حزب الكتائب اللبنانيّة فيسعى إلى تقديم نفسه معارضةً إصلاحيّة، في حين بقيت شخصيّات وقوى مستقلّة تحاول بناء خطاب يتجاوز الاستقطاب التقليديّ.
ليست المشكلة في وجود الاختلاف، فهو أمر طبيعيّ في أيّ نظام ديمقراطيّ، بل في كون هذه القوى نادراً ما استطاعت الاتّفاق على رؤية استراتيجيّة مشتركة في القضايا الكبرى، حتّى عندما كانت مصالح البيئة المسيحيّة نفسها على المحكّ.
في السياق مثلاً، اعتُبرت رئاسة الجمهوريّة الموقع الأوّل للمسيحيّين في النظام اللبنانيّ. لكن بعد اتّفاق الطائف تقلّصت صلاحيّات الرئيس بشكل واضح، وأصبح انتخابه مرتبطاً بتوازنات داخليّة وإقليميّة معقّدة.
بدل أن يتحوّل النقاش إلى كيفيّة تطوير النظام السياسيّ، انحصر غالباً في اسم الرئيس المقبل، بينما بقيت الأزمة البنيويّة للدولة من دون معالجة. وهكذا أصبحت الرئاسة رمزاً للوجود السياسيّ أكثر من كونها أداة فعليّة للحكم.
أزمة الهجرة وتأثيراتها
إذا كانت الانقسامات السياسيّة تهدّد الدور، فإنّ الهجرة تهدّد الوجود نفسه. فالشباب المسيحيّ، كما الشباب اللبنانيّ عموماً، يغادر بحثاً عن الاستقرار وفرص العمل. وتؤدّي هذه الهجرة إلى استنزاف النخب والكفاءات ورؤوس الأموال، وهو ما ينعكس مباشرة على الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة. قد يغيّر استمرار هذا النزيف لعقد أو عقدين البنية السكّانيّة والاقتصاديّة للمجتمع اللبنانيّ.
تعاني الساحة المسيحيّة أيضاً من أزمة قيادة. فمعظم الزعامات الحاليّة نشأت في ظروف الحرب أو ما بعدها، ولا تزال أسيرة حسابات الماضي. وتغلب لغة التعبئة والانقسام على الخطاب السياسيّ أكثر من لغة بناء المؤسّسات. وأصبحت الشخصنة تطغى على العمل الحزبيّ، بحيث ترتبط الأحزاب غالباً بزعمائها أكثر من ارتباطها ببرامج سياسيّة قابلة للتجدّد.
إلى ذلك يطغى الإقطاع العائليّ والتوريث الحزبيّ عند المسيحيّين كما عند سواهم من الأحزاب في الطوائف الأخرى، فيقطع أمل تطوير الأداء الحزبيّ في لبنان وجذب الخبرات والطاقات والنخب إلى صفوف الحزب، وهو ما يترك اليأس حليفاً دائماً للحزبيّين الطموحين من بينهم.
إخفاق الجماعات الأهليّة وأحزابها
ربَّ سائل: هل أخفق المسيحيّون وحدهم؟
سيكون قراءة غير دقيقة تحميل المسيحيّين وحدهم مسؤوليّة ما وصل إليه لبنان، فالأزمة اللبنانيّة هي نتيجة تراكمات شاركت فيها مختلف القوى والطوائف، إضافة إلى التدخّلات الإقليميّة والدوليّة، ضعف مؤسّسات الدولة، انتشار الفساد، والانهيار الاقتصاديّ.
لكن يمكن القول إنّ القوى المسيحيّة أخفقت، شأنها شأن قوى أخرى، في إنتاج مشروع وطنيّ جامع قادر على تجاوز منطق المحاصصة والطائفيّة.
من هنا، ليس المستقبل محسوماً، لكنّه يتوقّف على خيارات السنوات المقبلة.
إذا استمرّت الانقسامات الداخليّة، واستمرّت الهجرة، وبقيت الأحزاب أسيرة الصراعات الشخصيّة والإقطاعيّات العائليّة، فمن المرجّح أن يتراجع التأثير السياسيّ المسيحيّ تدريجاً حتّى مع استمرار الضمانات الدستوريّة.
أمّا إذا نجحت القوى المسيحيّة في الانتقال من منطق المنافسة على الزعامة إلى منطق الشراكة في مشروع دولة حديثة يبدأ من تحديث أحزابها، فقد تستعيد دوراً مؤثّراً يتجاوز حجمها العدديّ، كما فعلت في مراحل سابقة من تاريخ لبنان.
مستقبل المسيحيّين رهن خياراتهم
إنّ قوّة المسيحيّين في لبنان لم تكن يوماً قائمة على العدد فقط، بل على قدرتهم على إنتاج الأفكار، إدارة المؤسّسات، وبناء الجسور بين مكوّنات المجتمع. وإذا تمكّنوا من استعادة هذه العناصر، يكون مستقبلهم أكثر تأثيراً ممّا توحي به الأرقام. أمّا إذا بقيت السياسة أسيرة الانقسامات والتجاذبات، فإنّ التحدّي لن يكون خسارة موقع سياسيّ فحسب، بل خسارة نموذج تاريخيّ كان جزءاً أساسيّاً من هويّة لبنان وتكوينه.
يقصد معظم من يطرح هذا السؤال الإرشاد الرسوليّ، وهو وثيقة رجاء جديد للبنان أصدرها البابا يوحنّا بولس الثاني عام 1997، بعد السينودس الذي انعقد من أجل لبنان. ومن أشهر عباراته: “لبنان أكثر من وطن، إنّه رسالة حقّ وحرّية ونموذج تعدّديّة للشرق كما للغرب”.
إذا استُلهمت هذه الوثيقة لمعالجة واقع المسيحيّين اليوم، يمكن استخلاص عدد من الأولويّات:
تدعو الوثيقة إلى ألّا ينغلق المسيحيّون على أنفسهم أو يتعاملوا مع وجودهم باعتباره قضيّة بقاء عدديّ، بل رسالة في خدمة المجتمع اللبنانيّ كلّه.
لا تطلب الوثيقة إلغاء الأحزاب، لكنّها تدعو إلى تغليب الخير العامّ على الصراعات الشخصيّة والفئويّة. يمكن للأحزاب أن تختلف في البرامج، لكنّها تحتاج إلى الاتّفاق على ثوابت وطنيّة مثل الدولة، الدستور، استقلال القضاء، محاربة الفساد وإعادة بناء الدولة لا الاكتفاء بالمطالبة بالحصص.




