الطائفة الشيعية مطالبة بأن تقول للحزب: كفى، سلِّم سلاحك وحل تنظيمك

الطائفة الشيعية والدعوة إلى تسليم السلاح واستعادة الدولة اللبنانية لقرارها وسيادتها
شارل جبّور

يقول البعض إنّه لا يجوز تحميل الطائفة الشيعية ما يفوق قدرتها على الاحتمال، في ظل مصادرة قرارها من قبل “الحزب الإيراني” في لبنان، وفي ظل ما تتعرض له من حروب وموت ودمار وتهجير ونكبة غير مسبوقة. وهذا الكلام، في جانب أساسي منه، صحيح. فلا يجوز تحميل بيئة لبنانية بأكملها مسؤولية قرار صودر منها، ولا يجوز التعامل مع الطائفة الشيعية وكأنها كتلة واحدة اختارت الحرب والدمار بإرادتها.

بل العكس تمامًا، فإن المطلوب الوقوف إلى جانب أهل الجنوب والبقاع والضاحية، وإلى جانب كل لبناني شيعي يدفع ثمن خيارات لم يعد يملك قرارها. فقرى تُدمَّر، ومنازل تُسوّى بالأرض، وأرزاق تُهدم، وأناس يُقتلون ويُهجَّرون، فيما القرار السياسي والعسكري يبقى خارج الدولة اللبنانية.

كما أنّ جزءًا كبيرًا من البيئة الشيعية ما زال يخشى من عودة “الحزب الإيراني” إلى الإمساك الكامل بزمام القوة والمبادرة، وما يمكن أن يعنيه ذلك من قمع لمن يعترض، أو من حرمان من المساعدات والخدمات، سواء جاءت من الدولة اللبنانية أو من الدول العربية أو من أي جهة أخرى. وهذا الخوف لا يجوز تجاهله أو التقليل من شأنه.

ولكن، في المقابل، هناك مسؤولية تاريخية لا يمكن أن تبقى مؤجلة. أين الصرخة الشيعية؟ الطائفة الشيعية ليست مطالبة بأن تخوض حربًا أهلية، ولا بأن تواجه السلاح بالسلاح، ولا بأن تعرّض أبناءها للخطر. لكنها مطالبة بأن تقول كلمتها بوضوح: كفى.

كفى تدميرًا، كفى تهديمًا، كفى موتًا، كفى تهجيرًا. وفي ظل تقاعس الدولة عن تحمّل مسؤوليتها ووضع هذا الحزب عند حدّه، على الرغم من أنّه بات يقرّ في بياناته ومواقفه، اعترافًا تلو الاعتراف، بأن إسرائيل تغتال، وإسرائيل تدمّر، وإسرائيل تتقدّم، وإسرائيل تتمدّد، وإسرائيل تثبّت مواقعها، وإسرائيل لا تنسحب، فعلى الطائفة الشيعية أن تقول كلمتها، وإلا فإن الموت والتهجير والتدمير سيتواصل.

ألم يكن هذا الحزب هو الذي قدّم نفسه طوال عقود باعتباره القوة الوحيدة القادرة على حماية الشيعة؟ ألم يقل إن سلاحه هو الضمانة للجنوب؟ ألم يدّعِ أنّ ما يستطيع فعله لا يستطيع أحد أن يفعله سواه؟ ألم يقدّم نفسه على أنّه القوة القادرة على ردع إسرائيل ومنعها من التمدد؟

لقد جاءت الوقائع لتقول شيئًا آخر تمامًا. منذ 8 تشرين الأول وحتى اليوم، إسرائيل تتقدّم والحزب الإيراني يتراجع. ولم تُحمَ القرى التي قال إن سلاحه يحميها، بل دُمّرت. ولم يُحمَ الناس الذين قال إنّه يدافع عنهم، بل سقط منهم الضحايا والمُهجَّرون. ولم يتحول سلاحه إلى ضمانة للاستقرار، بل أصبح أحد أسباب استمرار الحرب وتداعياتها.

وهنا تحديدًا تقع مسؤولية البيئة الشيعية. وليس المقصود تحميلها مسؤولية ما جرى، بل تحميلها مسؤولية قول الحقيقة. وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى مواجهة مسلحة، بل إلى موقف سياسي وشعبي وأهلي واضح.

تحية كبيرة، طبعًا، لكل الناشطين الشيعة الذين يرفعون أصواتهم، ولكل من يعمل على الأرض رغم المخاطر، ولكل من يرفض أن يبقى رهينة لهذا المشروع. ولكن المطلوب أكبر من مبادرات فردية.

المطلوب أن تتحرك البلديات، والفعاليات المحلية، والعائلات، والهيئات الاجتماعية، ورجال الدين، والعلماء، والوجهاء، والاجتماعات الشعبية، وأن تخرج من داخل البيت الشيعي صرخة واحدة تقول للحزب: توقّف. لقد وعدتنا بالحماية ولم تتمكن من حمايتنا. وعدتنا بالردع فلم تردع. وعدتنا بأن سلاحك سيمنع إسرائيل من الاعتداء علينا، فإذا بإسرائيل تدمّر قرانا وتقتل أبناءنا وتثبّت مواقعها. وإصرارك على السلاح اليوم لا يحمي ما تبقى لنا، بل يعرّضه لمزيد من الدمار.

هذه هي الصرخة المطلوبة: دعوة الحزب الإيراني إلى حلّ تنظيمه العسكري والأمني، وترك المبادرة في يد الدولة وحدها. فلا يجوز أن تبقى هذه الطائفة في موقع المتفرّج على موت أبنائها وتدمير منازلها وقراها. وما هو مستمر منذ 8 تشرين الأول 2023 سيتواصل فصولًا، طالما لا مؤشرات جدية إلى توقّفه.

لقد آن الأوان لأن يسمع “الحزب الإيراني” كلمة واضحة من داخل البيئة التي يدّعي تمثيلها: أنت لا تمثلنا عندما يكون ثمن تمثيلك لنا هو قتلنا وتهجيرنا وتدمير بيوتنا وقرانا. فالسكوت، بعد كل ما حصل، لم يعد يحمي أحدًا.

وإذا كان الحزب لا يرتدع أمام مواقف الدولة، ولا أمام القرارات الدولية، ولا أمام حجم الخسائر التي تصيب لبنان، فربما تكون أقوى لكمة سياسية في وجهه هي تلك التي تأتي من داخل بيته نفسه: كفى حروبًا، وكفى موتًا وتهجيرًا ودمارًا. تخلَّ عن سلاحك وتنظيمك العسكري والأمني، واترك المبادرة للدولة. وإذا قصّرت الدولة، سنحاسبها، ولكن لا يمكننا محاسبتها وأنت ما زلت مسلحًا وتحتفظ بتنظيمك. سلاحك لم يحمِ ولم يبنِ، وما لم تتمكن من فعله أمس واليوم لن تتمكن من فعله غدًا. لقد سقطت صورتك في أعين بيئتك، فاترك مكانًا لك في قلوبهم، لأن إصرارك على السلاح سينقلهم إلى صفّ أعدائك.

وهذه الصرخة، متى خرجت من داخل الطائفة الشيعية نفسها، ستكون واحدة من أهم الخطوات لإنقاذها وإنقاذ لبنان. وكلما تأخرت هذه الصرخة، تحمّلت الطائفة، كما الدولة، جزءًا من مسؤولية استمرار القتل والتهجير والتدمير.

فالطائفة الشيعية ليست مطالبة بأن تحارب أحدًا، ولا بأن تتحمّل مسؤولية ما فُرض عليها، لكنها مطالبة اليوم بأن تقول للحزب الذي صادر قرارها: كفى. أنت لا تحمي بيئتك بالسلاح، بل تعرّضها للخطر. والحل ليس بمزيد من السلاح، بل باستعادة الدولة لقرارها وسيادتها.