إذا كان السلاح خيار الشيعة… فالتقسيم هو الحل.

شارل جبّور
نشرت صحيفة «الأخبار»، التابعة للحزب الإيراني في لبنان، استطلاعاً للرأي قالت إن المركز الإسلامي للدراسات والتوثيق أجراه على عيّنة من 1065 شخصاً من المقيمين في لبنان، بهدف معرفة رأي البيئة الشيعية في التحرير والموقف السياسي. وخلصت الصحيفة إلى عنوان عريض: «الشيعة في لبنان: سلاح المقاومة أهم من المعيشة والاقتصاد».
لن ندخل في تفاصيل النسب التي أوردها الاستطلاع، ولا في مدى دقته ومصداقيته، بل سنتوقف عند العنوان الذي اختارته الصحيفة، انطلاقاً من مجموعة ملاحظات أساسية:
أولاً، لماذا احتاج الحزب إلى هذا الاستطلاع أصلاً؟ لو كان مطمئناً إلى أن بيئته ما زالت تؤيده وتؤيد خياراته، لما كان مضطراً إلى البحث عن تأكيدات من هذا النوع. إن مجرد لجوئه إلى استطلاع يهدف إلى إثبات استمرار التأييد الشعبي لخيار السلاح يكشف حجم القلق الذي ينتابه من تبدّل المزاج الشيعي وخروج شرائح واسعة من بيئته من تحت عباءته. وبمعزل عن النتيجة التي أعلنها، فإن الاستطلاع يؤكد أن الحزب بات يشعر بأن خياراته لم تعد تحظى بالتأييد الذي اعتاد أن يستند إليه.
ثانياً، إذا كان الحزب يريد الاحتكام إلى المزاج الشعبي، فالمزاج اللبناني لا يقتصر على البيئة الشيعية. هناك بيئات مسيحية وسنية ودرزية، فضلاً عن مواطنين لا ينتمون إلى أي من هذه البيئات، ومن الواضح أن هذه المكونات ترفض سلاحه واحتفاظه بقرار الحرب والسلم. فهل يحق للحزب أن يستطلع رأي بيئته وحدها، ثم يتعامل مع نتيجة استطلاعه وكأنها تفويض وطني؟ وإذا كان المزاج الشيعي قد بدأ يتغير، فإن المزاج اللبناني العام أكثر وضوحاً في رفضه استمرار ازدواجية السلاح والقرار.
فأي استطلاع للرأي ستأتي نتيجته محسومة سلفاً؟
المسيحيون في لبنان: ضد سلاح حزب الله، ومع ضرورة نزعه بالقوة.
السنة في لبنان: ضد سلاح حزب الله، ومع ضرورة نزعه بالقوة.
الدروز في لبنان: ضد سلاح حزب الله، ومع ضرورة نزعه بالقوة.
الملحدون في لبنان: ضد سلاح حزب الله، ومع ضرورة نزعه بالقوة.
ثالثاً، لو كان الحزب يعيش في مقاطعة شيعية مستقلة، لكان من حقه أن يقول لمجتمعه إنه يمثل الأكثرية، وإنه يريد الاحتفاظ بسلاحه وقرار الحرب، وعلى المعترضين داخل هذه المقاطعة الاحتكام إلى خيارات الأكثرية. لكن الحزب ليس كياناً مستقلاً، بل هو جزء من دولة مركزية اسمها لبنان، ولا يملك حق إلزام بقية اللبنانيين بخياراته، ولا مصادرة إرادتهم تحت عنوان أن بيئته تؤيده.
رابعاً، هناك دولة ومؤسسات دستورية وانتخابات نيابية شارك فيها الحزب، ولم يشكك في شرعيتها، كما شارك في انتخاب رئيس الجمهورية، وتكليف رئيس الحكومة، وفي الحكومة نفسها. وفي المقابل، فإن الأكثرية النيابية والوزارية، ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، يؤكدون يومياً ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وحل التنظيم العسكري والأمني للحزب. فإذا كان الحزب يعتبر أن خيارات الدولة تتناقض مع خيارات بيئته، فلماذا يبقى في هذه الدولة؟ فليستقل من الحكومة، وليستقل نوابه من المجلس النيابي، وليعلن مقاطعته للنظام السياسي الذي لا يترجم خياراته، وليطالب بتغييره بدلاً من المشاركة في مؤسساته ومحاولة إخضاعها لإرادته.
وأخيراً، شكراً لهذا الاستطلاع، لأنه يفتح الباب أمام نقاش سياسي ودستوري لا يجوز الهروب منه. فإذا كان الحزب يريد أن يستند إلى خصوصية البيئة الشيعية وخياراتها لتبرير احتكاره قرارها، فليقبل بالنتيجة المنطقية لهذا المنطق: أن تكون للشيعة مقاطعتهم أو ولايتهم التي يقررون مصيرها، وللمسيحيين والسنة والدروز خياراتهم وكياناتهم التي يقررون مصيرها أيضاً.
لا يستطيع الحزب أن يصادر قرار الشيعة، ثم يصادر في الوقت نفسه قرار المسيحيين والسنة والدروز، وأن يفرض على الدولة اللبنانية مشروعه الإيراني. فإذا كان أكثرية داخل بيئته، فهو أقلية داخل بقية البيئات، وأقلية في الدولة التي يريد إخضاعها لمشروعه.
وبالتالي، إذا كان التساكن تحت سقف دولة واحدة يستحيل مع إصرار الحزب على سلاحه ومشروعه التخريبي، وإذا كان لا يقبل الاحتكام إلى الدولة ومؤسساتها، فإن التقسيم يصبح الحل المنطقي، لا استمرار العيش القسري تحت سقف واحد مع مشروع لا يريد الدولة ولا يعترف بحق الآخرين في تقرير مصيرهم، ويريد إبقاء لبنان ساحة حرب وفوضى وقتال وموت.