متفجرات ضهر البيدر: الادعاء حصل… فهل تُحيل الحكومة الملف إلى المجلس العدلي أم تكتفي بملاحقة المنفذين؟

 

شكّل الادعاء الصادر عن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، في قضية متفجرات ضهر البيدر، تطوراً قضائياً بالغ الأهمية، ليس فقط لجهة الأشخاص الذين شملهم، بل خصوصاً لطبيعة الجرائم المنسوبة إليهم، وما تطرحه من أسئلة تتجاوز واقعة نقل المتفجرات إلى العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وحدود سلطة الدولة على السلاح والقرار الأمني.

فالادعاء الذي شمل ثلاثة عشر شخصاً، وفق المعلومات المنشورة، استند إلى مواد قانونية تتعلق بأمن الدولة، وتأليف جمعيات واتفاقات جرمية تستهدف سلطتها وهيبتها، ومخالفة التدابير الحكومية لحماية أمن البلاد، فضلاً عن جرائم الأسلحة والمتفجرات.

وهذه الأوصاف تجعل من الصعب اختزال القضية بمخالفة لقانون الأسلحة والذخائر، وتفتح الباب أمام مسألة أساسية: لماذا لا تُحال القضية إلى المجلس العدلي؟

الادعاء حصل… فما الذي تنتظره الحكومة؟

منذ طرح إحالة الملف إلى المجلس العدلي، برز تفسير يعتبر أن الإحالة تستوجب صدور ادعاء قضائي يحدد الجرائم والمواد القانونية المنطبقة عليها.

ورغم أن هذا التفسير ليس شرطاً قانونياً مسلّماً به، فإن الجدل حوله أصبح اليوم بلا جدوى عملية. فالادعاء حصل، والأفعال وُصفت، والمواد القانونية حُددت.

والأهم أن عدداً من الجرائم الواردة في الادعاء يدخل، من حيث النوع، ضمن الجرائم التي يجيز القانون إحالتها إلى المجلس العدلي، وفق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية.

وهذا لا يعني انتقال الملف تلقائياً إلى المجلس العدلي، إذ تبقى الإحالة من صلاحية مجلس الوزراء بموجب مرسوم، لكنه يعني أن الأساس القانوني للمطالبة بها بات أكثر وضوحاً.

فإذا كان البعض ينتظر الادعاء لتبرير الإحالة، فالادعاء قد صدر. فما المبرر اليوم لعدم اتخاذ القرار؟

من نقل المتفجرات… ومن أصدر الأوامر؟

إن خطورة القضية لا تكمن فقط في نقل المتفجرات، بل في احتمال ارتباط العملية بقرار تنظيمي يتجاوز الأشخاص الذين تولوا التنفيذ.

فإذا كانت المتفجرات تعود إلى حزب الله، كما أعلن الحزب، فمن قرر نقلها؟ ومن حدد وجهتها؟ ومن أشرف على العملية؟ وهل يمكن أن تكون قد حصلت من دون علم مسؤولين أعلى في التسلسل القيادي؟

هذه الأسئلة لا تفترض إدانة مسبقة لأي مسؤول، لكنها تفرض تحقيقاً جدياً في سلسلة القرار والمسؤوليات المحتملة.

فالمسؤولية الجزائية لا تتوقف بالضرورة عند المنفذ المباشر، بل قد تشمل من أمر أو حرّض أو تدخل أو اشترك، متى توافرت الأدلة.

والخشية أن يتحول الملف إلى محاكمة مجموعة من المنفذين، فيما تبقى الجهات التي اتخذت القرارات، إن ثبت وجودها، بعيدة عن المساءلة.

ثلاثة سيناريوهات أمام القضاء والحكومة

السيناريو الأول هو أن تتخذ الحكومة قراراً بإحالة القضية إلى المجلس العدلي، باعتبار أن طبيعة الجرائم المدعى بها تستدعي التعامل معها على مستوى أمن الدولة وسلطتها، لا باعتبارها مجرد مخالفة فردية.

والسيناريو الثاني هو استمرار التحقيق أمام القضاء العسكري، مع توسيعه ليشمل كل من يُحتمل تورطه في التخطيط وإصدار الأوامر والإشراف، وصولاً إلى المستويات القيادية إذا قادت الأدلة إليها.

أما السيناريو الثالث، والأكثر إثارة للقلق، فهو حصر الملاحقات بالأشخاص المدعى عليهم، ثم انتهاء الملف إلى أحكام بحقهم، قد يكون بعضها غيابياً، من دون كشف كامل المسؤوليات التنظيمية المحتملة.

وفي هذا الاحتمال، تكون العدالة قد عالجت جانباً من الجريمة، لكنها لم تجب عن السؤال الأساسي: من اتخذ القرار؟

هل تتغاضى الحكومة عن طبيعة الجريمة؟

هنا تكمن المسؤولية السياسية الكبرى.

فالحكومة التي أعلنت التزامها بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة لا تستطيع تجاهل ادعاء يتضمن جرائم تستهدف هيبة الدولة وسلطتها، ثم التعامل معه كأنه ملف جنائي عادي.

صحيح أن الإحالة إلى المجلس العدلي لا تعني حكماً بإدانة حزب الله كتنظيم، ولا تشكل تصنيفاً قانونياً تلقائياً له بأنه يهدد السلم الأهلي. لكن طبيعة الجرائم المدعى بها تفرض التحقيق في احتمال أن تكون الأفعال جزءاً من نشاط تنظيمي مسلح خارج سلطة الدولة، بما قد ينطوي عليه من تهديد للأمن والسلم الأهليين.

وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل ستتعامل الحكومة مع الوقائع باعتبارها أفعال أفراد معزولين، أم ستسمح بتحقيق يكشف ما إذا كانت تعكس قراراً تنظيمياً يضرب هيبة الدولة وينازعها سلطتها؟

إن المطلوب ليس حكماً سياسياً مسبقاً، بل قرار حكومي يتيح مساءلة قضائية جدية وشاملة، من دون استثناءات أو خطوط حمراء.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

لقد قام القضاء بخطوة مهمة، لكن الادعاء ليس نهاية المسار، بل بدايته.

والمسؤولية اليوم تقع على الحكومة في حسم الإحالة، وعلى القضاء في استكمال التحقيق وصولاً إلى جميع المسؤولين المحتملين، أياً كانت مواقعهم.

فالادعاء حصل، والتوصيفات الجرمية باتت واضحة، وحجة انتظار الادعاء سقطت.

ويبقى السؤال: هل ستُحال القضية إلى المجلس العدلي، وتتوسع التحقيقات لتكشف حقيقة القرار والمسؤوليات، أم ينتهي ملف يمس أمن الدولة وهيبتها بأحكام غيابية بحق عدد محدود من الأشخاص؟

إن قضية ضهر البيدر لم تعد مجرد شحنة متفجرات ضُبطت على حاجز، بل أصبحت اختباراً لجدية الدولة في فرض القانون وحصرية السلاح والقرار الأمني.

فالعدالة لا تكتمل بمعرفة من نقل المتفجرات، بل تقتضي معرفة من قرر نقلها، ومن أصدر الأوامر، ومن يتحمل المسؤولية.