هل تحتل إسرائيل لبنان… أم تواجه الاحتلال الإيراني؟

شارل جبّور
هل كل وجود عسكري أجنبي على أرض دولة أخرى يُعتبر احتلالاً؟ وهل يكفي أن تكون القوة العسكرية موجودة داخل حدود دولة ما حتى تُصنّف قوة احتلال، بمعزل عن أسباب وجودها وطبيعة المواجهة التي تخوضها؟
هذا السؤال يستدعي التوقف عنده، ليس دفاعاً عن إسرائيل، ولا تبريراً لوجودها العسكري في لبنان، إنما من أجل وضع النقاط على الحروف في مسألة تتصل بجوهر السيادة اللبنانية، وبالاحتلال الفعلي الذي تعرّض له لبنان، وما زال يتعرّض له.
فعندما كان الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، كان احتلالاً للسيادة اللبنانية وشلّاً لدور الدولة، وعندما كان جيش الأسد موجوداً على الأراضي اللبنانية، كان احتلالاً واضحاً ومصادرة لقرار الدولة. واليوم، فإن حزب الله، الذي يتذاكى البعض في توصيفه باعتباره مجموعة لبنانية لأن عناصره يحملون الهويات اللبنانية، ليس سوى امتداد عسكري وأمني للحرس الثوري الإيراني، وجزء من مشروع توسعي إيراني يفرض إرادته على لبنان خلافاً لإرادة دولته ودستورها وقراراتها وميثاق العيش المشترك بين أبنائها. ويشكّل وجود الحزب احتلالاً للبنان باسم إيران ومشروعها الإقليمي، وخطفاً لدور الدولة اللبنانية.
فكيف يمكن اعتبار وجود جيش فلسطيني أو سوري احتلالاً، فيما لا يُعتبر وجود جيش إيراني مقنّع بلباس لبناني احتلالاً؟ وكيف يمكن القبول بأن تمتلك طائفة واحدة جيشاً وسلاحاً وقرار الحرب والسلم، فيما تبقى الطوائف الأخرى منزوعة السلاح، في انتهاك فاضح للتوازن الوطني والتعددية اللبنانية؟
إن حزب الله يشكّل، بهذا المعنى، قوة احتلال فعلية للقرار اللبناني، وأخطر بكثير من الاحتلالين الفلسطيني والسوري، لأنه يحاول أن يصوِّر نفسه زوراً وكذباً بأنه لبناني ويستند في عمله إلى مواثيق شرعية، وهذا كله كذب وتزوير ونفاق، فيما مهمته الأساسية ربط مصير لبنان بمصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومشروعها الإقليمي التوسعي والتخريبي.
ولكن ماذا عن إسرائيل؟ هل وجودها العسكري في لبنان، منذ دخولها الأول عام 1978، يُقرأ بالمنطق نفسه، بمعزل عن الظروف التي أدّت إلى هذا الدخول؟
ثمة فارق جوهري بين دخول جيش أجنبي إلى لبنان في مواجهة الدولة اللبنانية، ودخوله في مواجهة تنظيمات مسلحة اتخذت من لبنان ساحة لحروبها، وفرضت على الدولة اللبنانية أمراً واقعاً لم تكن تريده ولا تملك القدرة على تغييره.
إسرائيل لم تدخل لبنان نتيجة حرب بين الدولتين اللبنانية والإسرائيلية، بل دخلته في مواجهة المنظمات الفلسطينية التي حوّلت الجنوب اللبناني إلى ساحة عسكرية خارج سلطة الدولة، ثم في مواجهة القوى اليسارية والأممية والإسلامية المتحالفة معها، وصولاً إلى مواجهة حزب الله الذي يخوض حربه تحت راية ما يسمّيه المقاومة الإسلامية، المرتبطة بعقيدة ولاية الفقيه، والذي يرتبط عضوياً بالمشروع الإيراني ولا يخضع لقرار الدولة اللبنانية.
بمعنى أوضح، لم تكن المواجهة الإسرائيلية مع الدولة اللبنانية، بل مع قوى مسلحة جعلت من الأرض اللبنانية منصة لمشاريع خارجية تخريبية احتلّت لبنان وجرّته إلى حروب لم يقررها اللبنانيون، ولا الدولة اللبنانية تحديداً.
وعندما تتحوّل الأرض اللبنانية إلى ساحة فلسطينية أو سورية أو أممية أو إيرانية، وتُنتزع من الدولة سلطتها وسيادتها وقرارها، يصبح السؤال عن طبيعة الاحتلال الحقيقي أكثر إلحاحاً من الاكتفاء بتوصيف الوجود العسكري الإسرائيلي.
وهذا لا يعني أن لإسرائيل حقاً في البقاء داخل لبنان، أو أن مواجهتها مع حزب الله تمنحها تفويضاً مفتوحاً للتحرك على الأراضي اللبنانية. فبمجرد انتهاء المواجهة، وانتفاء أي مبرر لبقائها، وإنهاء الوجود العسكري الإيراني في لبنان المتمثّل بحزب الله، وبسط الدولة سيادتها واحتكارها السلاح، يصبح استمرار الوجود الإسرائيلي انتهاكاً للسيادة اللبنانية واحتلالاً لأرض لبنانية.
لكن الخطيئة الكبرى تكمن في اختزال لبنان الرسمي المشكلة اللبنانية بالوجود الإسرائيلي، فيما يتواصل تجاهل الاحتلال الإيراني الذي صادر الدولة والقرار والسيادة، وحوّل لبنان إلى ساحة إيرانية.
المعادلة التي ينبغي أن تكون واضحة هي أن خروج إيران من لبنان، وإنهاء الوجود العسكري والأمني لحزب الله، واستعادة الدولة سلطتها الكاملة على أرضها، هي الشروط التي تعيد لبنان إلى لبنانيته. وعندها لا يعود هناك أي مبرر لبقاء إسرائيل، ويصبح أي وجود لها احتلالاً لا لبس فيه.
فالمشكلة الفعلية والأساسية ليست في أن إسرائيل موجودة في لبنان، بل في الاحتلال الإيراني للبنان بواسطة حزب الله. وهذا الاحتلال بالذات هو الذي شكّل سبباً للدخول الإسرائيلي. وعندما ينتهي هذا السبب، وتستعيد الدولة اللبنانية قبضتها التي انتُزعت منها بفعل إيران وحزبها، يتعيّن على إسرائيل أن تخرج، فهي لم تدخل طمعاً بأرض لبنان أو بسيادته، بل دخلت في سياق مواجهة الاحتلال الإيراني للأرض والقرار اللبنانيين.
ولا يمكن استعادة السيادة اللبنانية من دون إنهاء المشروع الإيراني المسلح في لبنان. وعندما ينتهي هذا المشروع، يجب أن تنسحب إسرائيل فوراً، لأن بقاءها عندئذٍ يصبح احتلالاً.