من الثابت والأكيد: الحزب الإيراني يعيد بناء قدراته للحرب المقبلة

شارل جبّور
«من الثابت والأكيد»، تيمّناً بعبارة الأستاذ سعيد مالك، أنّ حزب الله يعيد التسلّح، وينظّم صفوفه، ويغيّر قواعد قتاله. وهذا الأمر لا يجوز أن يكون موضع شك أو تشكيك في أي لحظة، بل يجب التعامل معه باعتباره حقيقة ثابتة، مفادها أنّ الحزب يستثمر وقف إطلاق النار لإعادة بناء قدراته العسكرية، والتحضير لجولة عنف جديدة، سواء جاءت على شكل حرب إسناد جديدة لإيران مع إسرائيل، أو مواجهة داخلية لقلب المعادلة السياسية القائمة في لبنان.
وهذا الاستنتاج ليس مبنياً على الظنّ أو التكهّن، بل تؤكّده ثلاثة أسباب أساسية:
أولاً، التجربة السابقة التي أعقبت اتفاق 27 تشرين الثاني 2024.
لقد وقّع حزب الله بنفسه على اتفاق وقف إطلاق النار، بعدما استجدى الوصول إليه، وقَبِل بموجباته التي نصّت بوضوح على إنهاء وجوده العسكري المسلّح في لبنان، وحصر السلاح بالقوى الشرعية التي سمّاها الاتفاق بالاسم، من الجيش اللبناني إلى قوى الأمن الداخلي والشرطة البلدية وسائر الأجهزة الأمنية الرسمية المحدّدة فيه. أي إنّ الحزب وافق صراحة على معادلة لا مكان فيها لسلاحه خارج إطار الدولة.
وجاء ذلك في مرحلة سقط فيها نظام الأسد، وأصبحت الجغرافيا السورية معادية للمشروع الإيراني، فيما كانت السلطة اللبنانية تؤكد يومياً التزامها نزع سلاح الحزب وتطبيق القرارات الحكومية والاتفاقات ذات الصلة.
لكن ماذا فعل الحزب خلال الفترة الممتدة من 27 تشرين الثاني 2024 إلى 2 آذار 2026، تاريخ إطلاقه الصواريخ على إسرائيل في إطار إسناد إيران؟
استفاد، لا بل استغلّ وقف إطلاق النار، من أجل إعادة بناء قدراته، وترتيب وضعه العسكري والتنظيمي، وتطوير أساليبه القتالية. وأظهرت الوقائع أنّ الحرس الثوري الإيراني أعاد تنظيم البنية العسكرية للحزب، وجرى العمل على اعتماد تكتيكات وتقنيات قتالية جديدة، بما مكّنه من الاستعداد لجولة جديدة. وبذلك تحوّل وقف إطلاق النار، بالنسبة إليه، من فرصة للانتقال إلى مرحلة الدولة وحصرية السلاح، إلى فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تجهيز آلته العسكرية.
ثانياً، ما يجري منذ وقف إطلاق النار الأخير يؤكد أنّ الحزب يكرّر السلوك نفسه.
إنّ شاحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر تشكّل مؤشراً واضحاً إلى استمرار نشاطه العسكري والأمني. فالشاحنة التي كُشفت ليست سوى واحدة من عشرات الشاحنات التي لم تُكشف، وهي تؤكد أنّ الحزب لا يزال يتصرّف على أساس أنّ من حقّه تمرير السلاح وتعزيز قدراته، خلافاً لقرار الحكومة بحلّ تنظيمه العسكري والأمني.
فالحزب يعيد ترتيب قدراته، ويطوّر تقنياته، ويعمل على تجهيز نفسه تحسّباً للحظة التي يقرّر فيها إسناد إيران مجدداً، أو يجد فيها أنّ ميزان القوى الداخلي يسمح له بقلب الطاولة على الواقع السياسي اللبناني. وما يقوم به اليوم ليس خروجاً عن نهجه السابق، بل استكمال له، وتكرار للتجربة التي أثبتت أنّه لا يتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره نهاية للحرب، بل استراحة لإعادة التحضير لها.
ثالثاً، من الخطأ الفادح الرهان على أنّ حزب الله سيتخلّى عن سلاحه من تلقاء نفسه.
هذا الحزب لا يتخلّى عن سلاحه بقرار لبناني، ولا يسلّمه استجابة لمناشدة أو تفاوض أو تعهّد. فهو مرتبط عضوياً بالمشروع الإيراني، ولا يمكن تصوّر تخلّيه عن ترسانته العسكرية إلا بقرار إيراني صريح، أو نتيجة مواجهة حاسمة تنتهي بإسقاط قدرته على الاحتفاظ بهذا السلاح، وفرض سلطة الدولة بالقوة على كامل الأراضي اللبنانية، من دون استثناء أي حيّ أو منطقة أو منزل، مع تطبيق القانون على كل من يصرّ على حمل السلاح خارج الشرعية.
فالحزب لا يقوم مشروعه على السلاح فحسب، بل على الفوضى التي يتيحها السلاح، وعلى إبقاء لبنان رهينة قرار عسكري وأمني خارج مؤسسات الدولة. ومن يعتقد أنّ هذا المشروع يمكن أن ينتهي بالتمنّي أو بالمسايرة أو بالتعهّدات، إنما يراهن على الوهم.
وانطلاقاً من هذه الوقائع، يصبح المطلوب من الدولة اللبنانية أن تتعامل مع إعادة تسلّح الحزب باعتبارها خطراً قائماً، لا احتمالاً مؤجلاً، وأن تدرك أنّ استمرار هذه العملية تحت مظلة وقف إطلاق النار يعني أنّها تترك الحزب يعيد بناء قدراته، فيما يفترض بها أن تنفّذ قراراتها وتفرض سلطتها.
والأسوأ من إعادة التسلّح أن تبدأ الدولة بالتفكير في التوسّط لدى الحزب الإيراني كي لا يشارك في حرب إسناد ثالثة. فماذا يعني أن تتوسّط الدولة مع تنظيم مسلّح خارج سلطتها كي يمتنع عن استخدام أراضيها في حرب جديدة؟ يعني عملياً أنّها تتنازل عن دورها السيادي، وتتحوّل من سلطة تفرض القانون إلى طرف يستجدي من خارج القانون عدم الاعتداء على سيادته.
ليس المطلوب انتزاع تعهّد من الحزب بعدم إطلاق الصواريخ، ولا استرضاؤه كي لا يجرّ لبنان إلى حرب جديدة، بل إبلاغه، بوضوح وحزم، أنّ أي محاولة لاستخدام الأراضي اللبنانية مجدداً منصةً لأعمال عسكرية ستواجه بإجراءات الدولة وقراراتها السيادية، وأنّه لا حرب ولا إسناد ولا قرار عسكري خارج مؤسساتها.
فالدولة التي تفاوض الحزب على عدم استخدام سلاحه تعترف ضمناً بوجود سلاح خارج سلطتها، والدولة التي تتوسّط معه كي لا يحارب تتنازل عن حقها الحصري في تقرير الحرب والسلم.
المطلوب إذاً ليس إدارة سلاح الحزب، ولا التعايش معه، ولا تنظيم استخدامه، بل إنهاء وجوده. وعلى الجميع أن يدرك أنّ أي وقف لإطلاق النار يستغله حزب الله لإعادة تهيئة نفسه وتسليحه وتنظيم صفوفه، إنما يشكّل محطة تحضير للحرب المقبلة، سواء كانت لإسناد إيران في مواجهة إسرائيل أو لضرب السلطة اللبنانية وقلب المعادلة الداخلية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان الحزب يتحضّر لهذه اللحظة، فهل تتحضّر الدولة اللبنانية لمواجهتها، أم أنّها ستنتظر مجدداً حتى يقرّر الحزب متى يجرّ لبنان إلى الحرب؟



