لا دولة مع الحزب الإيراني… ولا عفو عن مشروعه التخريبي

شارل جبّور
من يقرأ بيان كتلة “الوفاء للمقاومة” يلمس بوضوح حجم الهوة التي تفصلها، هي ومن تمثل، عن تطلعات شريحة واسعة من اللبنانيين إلى وطن حر وسيد ومستقل، تحتضن دولته أبناءها، ويكون قرار الحرب والسلم فيه حصرًا بيد مؤسساته الشرعية.
فهذا البيان يعكس عقلية ماضوية لا تزال أسيرة لبنان الحروب والخراب والساحات، ولبنان الذي يُستخدم أرضًا لخدمة إيران ومشروعها التوسعي والتخريبي. وهو يؤكد أن المشكلة تكمن في تناقض جوهري بين مشروع الدولة ومشروع الدويلة، وبين لبنان الذي يريد أن يعيش بسلام، ولبنان الذي يُراد له أن يبقى ساحة مفتوحة لحروب الجمهورية الإسلامية في إيران.
والأخطر أن هذه الكتلة، على الرغم من الخسائر التي تكبّدها لبنان واللبنانيون نتيجة الخيارات العسكرية لـ”حزب الله”، لا تزال تتمسك بالسلاح وبالمشروع نفسه، وتصرّ على رواية كاذبة تعتبر هذا السلاح حقًا مشروعًا، فيما هو في الواقع مصدر أساسي لتقويض سيادة الدولة وتعريض البلاد للحروب والدمار.
والمسألة لا تنتهي بهزيمة عسكرية أو بتراجع سياسي. المطلوب هو إنهاء ازدواجية السلاح والقرار، ومساءلة المسؤولين عن القرارات التي زجّت بلبنان في الحروب، ومحاسبتهم وفقًا للقانون، من دون إعفاء أو تسوية على حساب الحقيقة والعدالة. فلا يمكن بناء دولة فعلية ما دام هناك فريق يصرّ على الاحتفاظ بقوته المسلحة خارج مؤسساتها، ويعتبر نفسه فوق الدستور والقوانين.
ويكفي التوقف عند أبرز ما ورد في بيان الكتلة لإظهار حجم التناقض بين خطابها والواقع اللبناني.
أولًا، الادعاء بوجود “حق للمقاومة في الدفاع الوطني ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان”.
من منح هذه الكتلة حق احتكار مفهوم المقاومة وتحديد من يمثل لبنان ومن يدافع عنه؟ وبأي سند تعتبر أن لها الحق في الاحتفاظ بسلاح خارج الدولة، واتخاذ قرارات الحرب والسلم نيابة عن اللبنانيين؟
إن دخول إسرائيل إلى لبنان وعملياتها العسكرية لا يمكن فصلهما عن الدور الذي أدّاه “حزب الله” في استهدافها بقرار إيراني، وعن استخدامه لبنان منصةً للمشروع الإيراني، وتحويله الأراضي اللبنانية إلى ساحة للصراع الإيراني مع إسرائيل. فالحزب الذي يدّعي زورًا أنه يدافع عن لبنان، هو نفسه الذي كلّف اللبنانيين أثمانًا باهظة نتيجة ارتباطه بالمشروع الإيراني.
ثم إن وصف نفسه بالمقاومة لا يغيّر من حقيقة أنه أداة إيرانية ضمن مشروع توسعي وتخريبي، وأن استمرار احتفاظه بسلاحه يشكّل اعتداءً على مبدأ السيادة الوطنية، ويُبقي لبنان عرضة لحروب لا يملك اللبنانيون قرار خوضها.
ثانيًا، الادعاء بأن “التنكر لحق المقاومة يخالف الشرائع والمواثيق الدولية والدستور والقوانين”.
المسألة الأساسية ليست إطلاق شعارات عن المواثيق الدولية، بل تحديد الجهة التي تملك، وفق الدستور والقانون، حق استخدام القوة العسكرية واتخاذ قرار الحرب والسلم.
ولا يمكن الاستناد إلى القانون لتبرير قيام تنظيم مسلح بفرض إرادته على الدولة، أو الاحتفاظ بترسانة عسكرية وقرار أمني مستقلين عن مؤسساتها الشرعية. فالدستور ليس غطاءً لدويلة مسلحة، والمواثيق الدولية ليست تفويضًا مفتوحًا لأي تنظيم كي يقرر مصير شعب بأكمله.
ومعلوم أن “حزب الله” يتمسك كذبًا بمواثيق ودساتير وقوانين لتبرير سلاحه، فيما هو تنظيم إيراني مسلح عابر للحدود، يناقض مشروع الدولة والسيادة الوطنية، ولا يعترف أساسًا بمواثيق ودساتير وقوانين، و”دستوره” الوحيد هو الحروب والاحتلال والفوضى والخراب، ومعظم دول العالم تعتبره منظمة إرهابية.
ثالثًا، الادعاء بأن “التنكر لحق المقاومة يفتح الطريق أمام استمرار العدوان ومصادرة السيادة والقرار الوطني وفرض التبعية على لبنان”.
الجهة التي تتهم الآخرين بمصادرة السيادة هي الوحيدة التي تنتهك السيادة اللبنانية، وتحتفظ بسلاحها الإيراني من أجل إبقاء لبنان ساحة من ساحات النفوذ الإيراني. والجهة التي تتحدث عن التبعية هي نفسها التي أخضعت لبنان للمشروع الإيراني، وتسعى بقوة سلاحها إلى ربطه بمعادلة وحدة الساحات التي تخدم مصالح طهران، لا مصالح اللبنانيين.
إن الخطر الوحيد على السيادة يأتي من استمرار وجود قوة مسلحة مرتبطة بإيران على الأرض اللبنانية، تنازع الدولة سلطتها، وتصادر قرارها، وتضع البلاد في مواجهة حروب لا تملك مؤسساتها الشرعية قرار خوضها.
رابعًا، الادعاء بأن وثيقة الوفاق الوطني ونصوص الدستور كرّست الحق المقاوم.
وضع اتفاق الطائف أسس إنهاء الحرب اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحلّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وتعزيز مؤسسات الدولة الشرعية. ولا يستقيم الاستناد إلى وثيقة هدفها إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة لتبرير استمرار تنظيم مسلح خارج مؤسساتها.
كما أن التمييز واضح بين حق الدولة في تحرير أرضها والدفاع عن سيادتها، وبين ادعاء تنظيم حزبي امتلاك حق مستقل في الحرب والسلم. فالأول من صميم وظيفة الدولة، أما الثاني فيضرب جوهر السيادة ويحوّل السلاح إلى أداة لفرض إرادة سياسية على اللبنانيين.
ومن هنا، فإن الاستناد إلى الطائف والدستور لتبرير استمرار سلاح “حزب الله” لا ينسجم مع الغاية الأساسية التي قام عليها اتفاق الوفاق الوطني، أي إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.
وهل تدرك هذه الكتلة المنافقة أن جوهر اتفاق الطائف كان إنهاء الحرب اللبنانية وإرساء المصالحة الوطنية بين المسيحيين والمسلمين وإعادة بناء الدولة؟ وبأي منطق يُطلب من المسيحيين تسليم سلاحهم، فيما يُراد إبقاء سلاح ميليشيا مرتبطة بإيران؟ وكيف يمكن مطالبة المسلمين، الذين شاركوا في إقرار الوفاق الوطني، بقبول استمرار تنظيم إيراني مسلح خارج الدولة، يناقض مبدأ السيادة ويعيد إنتاج أسباب الحرب؟
إن الاستناد إلى الطائف لتبرير هذا الواقع ليس سوى توظيف سياسي رخيص للنصوص في خدمة السلاح الإيراني. وهو تناقض لا يمكن التوفيق بينه وبين مشروع الدولة، فضلًا عن كونه إساءة إلى روح الوفاق الوطني الذي يفترض أن يكون مدخلًا لإنهاء الحروب، لا ذريعة لاستمرارها.
خامسًا، الادعاء بأن حصرية السلاح لا تستقيم في ظل الاحتلال وتهديداته.
حصرية السلاح شرط أساسي لقيام دولة فعلية وقدرتها على حماية مواطنيها والتفاوض باسمهم. ولا يمكن للبنان أن يستعيد سيادته فيما يحتفظ “حزب الله” بقرار عسكري مستقل، ولا يمكنه أن يخرج من دوامة الحرب ما دام هناك طرف يصرّ على أن سلاحه فوق سلطة الدولة، وأنه وحده يحدد متى يقاتل ومتى يهدأ.
ويجب أن يدفع هذا الحزب ثمنًا سياسيًا وقانونيًا عن تعطيله حصرية السلاح، وعن النتائج الكارثية التي ترتبت على خياراته العسكرية، من سقوط الضحايا إلى تدمير القرى وتهجير السكان، وما أصاب لبنان من خسائر بشرية ومادية جسيمة. فليس مقبولًا أن يتسبب فريق بهذه الأثمان، ثم يصرّ على الاحتفاظ بالسلاح نفسه وبالقرار نفسه، وكأن شيئًا لم يحدث.
إن أهمية بيان كتلة “الوفاء للمقاومة” أنه يكشف، مرة جديدة، عمق الهوة بين مشروعها ومشروع الدولة. لكنه يكشف، وهو الأهم، استحالة بناء دولة فعلية في ظل استمرار مشروع الدويلة، واستحالة التوفيق بين منطق الدولة ومنطق السلاح الخارج عنها.
والمطلوب، بعد إنهاء الوجود العسكري المستقل لـ”حزب الله” ووضع سلاحه تحت سلطة الدولة، أن تبدأ مرحلة المساءلة والمحاسبة عن كل ما أصاب لبنان واللبنانيين نتيجة قرارات الحرب والارتباط بالمشاريع الإيرانية، وفقًا للقانون، ومن دون انتقام أو إفلات من العقاب.
أما الدولة اللبنانية، برئيس جمهوريتها وحكومتها ومؤسساتها، فعليها أن تضع حدًا لمحاولات فرض معادلات تتناقض مع سيادتها، وأن تقول بالفم الملآن: لا وجود لمقاومة في لبنان. وما يُقدَّم على أنه مقاومة ليس سوى مشروع مسلح مرتبط بإيران، يهدد الأمن القومي اللبناني وينازع الدولة سلطتها. وأي إصرار على الاحتفاظ بهذا السلاح خارج الشرعية يجب أن يُواجَه بتطبيق الدستور والقوانين، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم التي تثبتها التحقيقات والأحكام القضائية.
لا دولة مع السلاح الإيراني، ولا سيادة مع ازدواجية القرار، ولا مستقبل للبنان ما دام مشروع الدويلة ينازع مشروع الدولة.



