لا تغيير في لبنان من دون كسر حاجز بري

شارل جبّور
يتعامل الرئيس نبيه بري مع مجلس النواب وكأنّه غرفة الجلوس في منزله، حتى لا نقول غرفة نومه. فقد قال في تصريح لصحيفة «الأخبار» اليوم إنّ «إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 لن يمرّ في مجلس النواب». لكن، بناءً على ماذا لن يمرّ؟ هل يملك بري أكثرية نيابية ترفض إلغاء القانون، أم أنّه يعتبر أنّ القانون لن يمرّ لمجرّد أنّه لا يريد تمريره؟ فإذا كانت هناك أكثرية نيابية ترفض الإلغاء، فهذه مسألة تُعالَج في المجلس وفق الأصول الديمقراطية. أمّا أن يحسم رئيس المجلس مسبقًا نتيجة التصويت، فهذا يعني أنّه يتعامل مع المجلس وكأنّه ملكية خاصة، وأنّ إرادته تعلو إرادة النواب.
ويضيف بري، بنبرة ساخرة، أنّ «من يعتقد أنّ الأمور فلتانة يخطئ، وأنّ البلد لم يفلت بعد»، قبل أن يقول إنّه ينتظر «على أحرّ من الجمر أن يتقدّم أحد باقتراح قانون في هذا الشأن». حسنًا، فليتقدّم النواب باقتراح قانون لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، وبأسرع وقت ممكن، استجابةً لهذا التحدّي ووضعًا للأمور في مسارها الطبيعي. وليُترك للمجلس أن يقرّر، وللأكثرية النيابية أن تقول كلمتها. وإذا كان بري واثقًا من موقفه، فليُظهر هذه الثقة في التصويت، لا في مصادرة نتائج التصويت سلفًا. وإذا كان يعتقد أنّه يستطيع منع القانون من الوصول إلى الهيئة العامة، فلتكن هذه بحدّ ذاتها معركة سياسية ودستورية في مواجهة إصراره على التحكّم بالقرار النيابي.
فالتغيير في لبنان له ممرّان إلزاميان: إزالة الحاجز الإيراني المسلّح، المتمثّل بـ«حزب الله»، وإزالة الحاجز النيابي، المتمثّل بنبيه بري. فهذا الأخير هو رأس المنظومة التي أنشأها حافظ الأسد واستكملها الخامنئي. ولا تغيير حقيقيًا يُرتجى من دون نزع سلاح الحزب الإيراني من لبنان، ومن دون إنهاء احتكار بري لرئاسة مجلس النواب والقرار النيابي.
وإذا كانت مسألة نزع سلاح «حزب الله» قد أصبحت أولوية أميركية وإسرائيلية، بفعل تورّطه في الحرب مع إسرائيل وعجز الدولة اللبنانية عن حسم هذه القضية، فإنّ القوى السياسية اللبنانية مطالبة بتحديد هدف موازٍ وواضح: العمل على تغيير الأكثرية النيابية بما يتيح إنهاء احتكار بري للقرار، أو تشكيل كتلة نيابية واسعة تواجهه اليوم وتُفهِمه أنّ مجلس النواب ليس غرفة جلوس في منزله، وأنّ شؤون البلد والعباد يقرّرها النواب وفق الأصول الدستورية، لا رئيس المجلس بمفرده.
فإذا توافرت أكثرية نيابية وفق الأصول المطلوبة لإلغاء قانون المقاطعة، فلا يحقّ لأحد أن يحلّ إرادته مكان إرادة المجلس. والتحدّي اليوم هو التقدّم باقتراح القانون، والعمل على إدراجه على جدول الأعمال، والذهاب به إلى التصويت. وعندها، فليُظهر بري عضلاته إذا كان يعتقد أنّه يستطيع تعطيل المسار التشريعي ومنع المجلس من ممارسة صلاحياته.
لم تعد المعركة محصورة بسلاح «حزب الله»، الذي صادر قرار الدولة، وورّط لبنان في الحروب، وقتل اللبنانيين، وحوّل البلد إلى ساحة إيرانية للحرب والموت. فهذه المعركة تتولاها، ويا للأسف، الولايات المتحدة وإسرائيل نيابةً عن اللبنانيين، بعدما عجزت الدولة عن حسمها تطبيقًا لدستورها.
أمّا المعركة التي ينبغي للقوى السياسية أن تتولاها بنفسها، فهي معركة استعادة القرار النيابي من قبضة بري، بدءًا بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، وصولًا إلى تهيئة الأرضية السياسية والقانونية للسلام بين لبنان وإسرائيل.
وعلى الكتل النيابية أن تتحدّى بري، وأن تتحمّل مسؤوليتها، وألّا تسمح له بتحويل رئاسة المجلس إلى أداة لتعطيل أيّ تغيير. وإذا حاول إقفال المجلس أو منع اقتراح القانون من الوصول إلى التصويت، فعليها أن تواجهه سياسيًا ودستوريًا، لا أن تتراجع أمام تهديداته.
وعلى العواصم التي ما زالت تتعامل مع بري، من الرياض إلى واشنطن، أن تدرك أنّه ليس وسيطًا محايدًا بين الدولة و«حزب الله»، بل الوجه الآخر للحزب داخل مؤسسات الدولة، والغطاء السياسي لمشروع الخامنئي في لبنان ولسلاح الحزب الإيراني. وما يقوله في الاجتماعات المغلقة لا ينبغي أن يحجب حقيقة الدور الذي يؤديه في الداخل.
فلا يكفي أن يُنزَع السلاح الإيراني من لبنان إذا بقي القرار النيابي رهينة المنظومة نفسها، ولا يكفي الحديث عن استعادة الدولة إذا بقيت أبواب التغيير موصدة بإرادة رئيس مجلس النواب.
المعركة اليوم هي معركة كسر الحاجز النيابي الذي يمثّله بري، كما أنّها معركة نزع الحاجز المسلّح الذي يمثّله «حزب الله». ومن دون المعركتين معًا، لا تغيير فعليًا في لبنان، ولا استعادة كاملة لقرار الدولة، ولا انتقال من الحرب إلى السلام.



