الحزب يكسر معادلة “قرارات مع وقف التنفيذ” بتخويف الحكومة

شارل جبّور

نجح “حزب الله”، بعد نحو سنة وشهرين على قراري مجلس الوزراء الصادرين في 5 و7 آب 2025، في كسر المعادلة التي حكمت علاقته بالحكم في لبنان. فالمعادلة التي سادت طوال هذه الفترة كانت تقوم على قاعدة واضحة: الحكومة تتخذ قراراتها، لكنها لا تنفّذها.

في 5 و7 آب 2025، اتخذت الحكومة قرارًا واضحًا بنزع سلاح “حزب الله”، لكنها لم تنفّذه. وفي 2 آذار 2026، اتخذت قرارًا بحلّ تنظيمه العسكري والأمني، لكنها لم تنفّذه أيضًا. وفي مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وصولًا إلى اتفاق الإطار الذي يربط الانسحاب الإسرائيلي بتحمّل الدولة اللبنانية مسؤوليتها في نزع سلاح الحزب، بقي التنفيذ معلّقًا، والمفاوضات تراوح مكانها، فيما ظلّ الانتقال إلى السلام بعيد المنال.

أما ما حصل في جلسة مجلس الوزراء أمس، لجهة عدم إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، فيشكّل تطورًا مختلفًا: لم تعد المسألة مقتصرة على “قرارات مع وقف التنفيذ”، بل باتت الحكومة تتراجع عن اتخاذها أصلًا تحت وطأة التهديد.

كان بإمكان الحكومة، بكل بساطة، إحالة الملف إلى المجلس العدلي، انسجامًا مع مواقفها وتمسّكًا بصلاحياتها، ومن دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها ستذهب إلى النهاية في تنفيذ الإحالة، عبر توقيف مسؤولين في الحزب أو إلزامه بالمثول أمام القضاء. فمن كان سيصدّق أصلًا أنها ستذهب إلى هذا الحد؟ لكنها كانت، في الحد الأدنى، ستحافظ على ما تبقّى من صورتها المتهالكة وهيبتها المتآكلة.

غير أن الخطورة تكمن في أن “حزب الله” نجح في كسر المعادلة السابقة لمصلحته، بعدما انتقل من إبقاء قرارات الدولة حبرًا على ورق ومع وقف التنفيذ إلى منعها من اتخاذ القرارات أصلًا. والأخطر أن هذا التراجع جاء في وقت كان يُفترض فيه أن تنتقل الحكومة إلى مرحلة جديدة، تتجاوز فيها الاكتفاء بإصدار القرارات إلى تنفيذها. فظهور متفجرات ضهر البيدر كان يستدعي تحقيقًا جديًا ومحاسبة وفق الأصول القانونية، لا التراجع أمام التهديدات.

وكان يفترض أن يشكّل تهديد “حزب الله” بالحرب في حال إحالة الملف إلى المجلس العدلي سببًا إضافيًا لتمسّك الدولة بالإحالة، لا ذريعة للتراجع عنها. فليس مقبولًا أن يصبح التلويح بالحرب وسيلة لفرض ما يجوز للدولة فعله وما لا يجوز لها فعله. ومن غير المقبول أن تعرّض الحكومة قرارها الصادر في 2 آذار لضربة سياسية قاتلة، أو أن تظهر عاجزة عن تأكيد أن قراراتها وسيادتها ليستا موضع تفاوض مع أي جهة مسلّحة. ومن الخطيئة أن تقدّم خدمة للحزب، الذي استطاع أن يقدّم لجمهوره صورة مفادها أنه ما زال قادرًا على فرض إرادته، وأن الدولة تتراجع كلما رفع سقف تهديداته.

وحدها “القوات اللبنانية” سجّلت موقفًا منسجمًا مع ثوابتها ومسلماتها وتعلّقها بالدولة الفعلية، عبر انسحاب وزرائها واعتراضهم على عدم إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وهو ما أكّده أيضًا رئيس الحزب، الدكتور سمير جعجع، في إطلالاته التلفزيونية أمس. فالمسألة، في جوهرها، تتجاوز الإجراء القضائي إلى مبدأ أساسي: لا يجوز أن تكون الدولة خاضعة لتهديد أي طرف، ولا أن تتحول هيبتها إلى مسألة قابلة للمساومة، خصوصًا أن انهيار الدولة على مدى نصف قرن بدأ مع شلّ دورها وتقويض قدرتها على ممارسة سلطتها.

لكن على “حزب الله” ألا يفرح وألا يخلط بين تراجع الحكومة وبين حسم المواجهة لمصلحته. فالمواجهة الأوسع المرتبطة بسلاحه لم تنتهِ، ولن تنتهي قبل نزع سلاحه، وهذا أمر محسوم بنسبة 100٪؜. أما المتضرّر مما حصل أمس فهي السلطة نفسها، التي أكّدت مجددًا، أمام المجتمع الدولي، أنها غير جديرة بالثقة، وأنها ليست أهلًا لتحمّل مسؤولياتها السيادية.

لقد أظهرت جلسة مجلس الوزراء أمس أن المعادلة تبدّلت، ولكن ليس لمصلحة الدولة. فبدلًا من أن تنتقل الحكومة من اتخاذ القرارات إلى تنفيذها، وجدت نفسها تتراجع عن اتخاذ قرار كان يفترض أن يشكّل الحد الأدنى من ممارسة صلاحياتها.

وتخطئ الحكومة إذا اعتقدت أن بإمكانها التعويض عن عدم الإحالة برفع سقف الخطاب، بعدما فقدت الكلمات قدرتها على إقناع أحد. لقد كانت أمامها فرصة تاريخية لترميم صورتها أمام الرأي العام المحلي والمجتمع الدولي، من خلال الإصرار على الإحالة، من دون الالتفات إلى تهديد من هنا أو تهويل من هناك. لكنها اختارت مجددًا تعميق السواد في ما تبقّى من بياض صورتها.

وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن من أوكل إليهم مهمة تطبيق دستورهم وتنفيذ قراراتهم ليسوا على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم.