متفجرات ضهر البيدر: إما أن تنقذ الحكومة الدولة أو تسقط معها

شارل جبّور

لا شكّ في أنّ السلطة في لبنان كانت تتمنّى ألّا تُكشف شحنة المتفجرات التابعة لـ”حزب الله” في ضهر البيدر، تفاديًا لمزيد من الإحراج، ولئلّا ينكشف أكثر عجزها عن تنفيذ قراراتها، ولأنّها، في الأساس، ليست في وارد الانتقال من مرحلة القرارات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فلو لم تُضبط هذه الشحنة، لبقيت الأمور على المعادلة القائمة: الدولة لا تنفّذ قراراتها، والحزب لا يُظهر سلاحه.

لكنّ ضبط الشحنة قلب هذه المعادلة، ووضع الحكومة أمام واقع لا تستطيع تجاهله أو الالتفاف عليه. فحين يظهر سلاح الحزب المتفجّر، فيما تواصل الدولة الامتناع عن تنفيذ قراراتها، يصبح السؤال أبعد من مجرّد المطالبة بالتنفيذ: هل سقط قرار الحكومة الصادر في 2 آذار 2026، القاضي بحلّ التنظيم العسكري والأمني لـ”حزب الله”، في ضهر البيدر؟

إنّ عدم المضيّ في التحقيقات حتى النهاية، وعدم استدعاء المسؤولين في الحزب للاستماع إليهم، وعدم التأكيد بوضوح أنّه لا وجود لما يُسمّى مقاومة خارج إطار الدولة، تعني أنّ الحكومة لا تتراجع أمام واقع أمني فُرض عليها فحسب، بل تتخلّى عمليًا عن قرارها. وعندها، لا يعود الحديث عن تقصير في التنفيذ، بل عن سقوط القرار نفسه، وما يترتّب على ذلك من سقوط لهيبة الدولة ومصداقية مؤسساتها.

وما يعزّز الشكوك في جدية الحكومة أنّ قضية بهذه الخطورة، والمرتبطة بالتحضير لاغتيالات وتفجير الوضع الداخلي، لم تُدرج على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، ولم تُطرح حتى من خارج الجدول، بذريعة وجود مشروع قانون قيد الدرس. فهل من ملفّ أكثر إلحاحًا من ضبط شحنة متفجرات تابعة لتنظيم قرّرت الحكومة حلّ جناحه العسكري والأمني؟ وهل يُعقل أن تتقدّم الاعتبارات الإجرائية على واجب الدولة في كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات؟

ولو كانت الحكومة تتعامل مع القضية بالجدية المطلوبة، لبادرت إلى وضعها في صدارة أولوياتها، واتّخذت ما يلزم من إجراءات قضائية وأمنية وسياسية. أمّا أن تنتظر، فيما الحزب يعلن أنّ سلاحه موجّه إلى إسرائيل، وكأنّ هذا الإعلان يمنحه حقّ الاحتفاظ به خارج سلطة الدولة، فذلك يعني التسليم بمنطق الحزب والخضوع لمعادلة يفرضها بقوة السلاح والتهديد.

لقد أصبحت صورة الدولة على المحكّ في ضهر البيدر. فإمّا أن تحوّل هذه القضية إلى نقطة انطلاق لتنفيذ قراراتها واستعادة هيبتها، وإمّا أن تتحوّل المتفجرات إلى الضربة القاضية التي تسقط ما تبقّى من صدقيتها. لم يعد هناك متّسع للمناورة أو التأتأة أو إرجاء المواجهة مع الوقائع.

والمطلوب من الحكومة خطوتان واضحتان لا تحتملان التأجيل:

أولًا، إعلان موقف حاسم يؤكّد أنّه لا وجود لما يُسمّى مقاومة خارج إطار الدولة، وأنّ “حزب الله” لا يملك حقّ استخدام السلاح أو زجّ لبنان في مواجهة عسكرية بذريعة مقاومة إسرائيل، وأنّ استخدام الأراضي اللبنانية خارج إطار الدستور وقرارات الدولة يعرّض المسؤولين عنه للملاحقة والمحاسبة.

ثانيًا، استدعاء المسؤولين المعنيين في الحزب للاستماع إليهم في إطار التحقيقات الجارية، ومتابعة القضية حتى كشف ملابساتها كاملة وتحديد المسؤوليات. أمّا إذا امتنعوا عن الحضور، فتلك مسؤوليتهم، ولا يجوز أن يتحوّل امتناعهم إلى ذريعة تعفي الدولة من القيام بواجباتها.

إنّ القضية تتعلّق بامتحان وجودي لسلطة الدولة وقرارها. فإذا لم تنفّذ الحكومة قراراتها حين تُضبط متفجرات تابعة لتنظيم قرّرت حلّ جناحه العسكري والأمني، فمتى تنفّذها؟ وإذا عجزت عن مواجهة هذه القضية، فبأيّ حقّ تطالب اللبنانيين بالثقة بها؟

متفجرات ضهر البيدر تشكّل اختبارًا حاسمًا للحكومة على قاعدة “التاء ـ تاء”: إمّا أن تُنقذ الدولة وهيبتها وصورتها ودورها بتنفيذ قراراتها، وإمّا أن تُسقط الدولة بالضربة القاضية، بعدما تكون المتفجرات قد أدت وظيفتها وانفجرت سياسيًا في وجه الحكومة نفسها.