حين يصبح تحدي الدولة بلا ثمن

جوزيف بوهيا
ليست المشكلة في أن يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام نواباً من «التنمية والتحرير» و«الوفاء للمقاومة»، ولا في أن تبحث الحكومة معهم حاجات المناطق المتضررة وإعادة إعمارها. الجنوب والضاحية وسائر المناطق التي دفعت ثمن الحرب جزء من لبنان، وإعمارها واجب على الدولة. المشكلة تبدأ حين يوضع اجتماع السراي في سياقه الكامل. فالحكومة اتخذت قراراً صريحاً بحصر الحرب والسلم والسلاح بالمؤسسات الشرعية وحظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله، ثم واجهت واقعة أمنية بالغة الخطورة ومواقف علنية من الحزب ترفض عملياً مضمون القرار. ومع ذلك، استمرت علاقتها السياسية معه من دون أثر واضح لهذا التحدي في قواعد التعامل. عندها يصبح السؤال أبعد من اجتماع: ماذا تعني قرارات الدولة إذا لم تغيّر شيئاً عندما يرفضها الطرف الذي صدرت في شأنه؟
في الثاني من آذار لم يترك مجلس الوزراء مساحة واسعة للاجتهاد. فقد أعلن رفض أي أعمال عسكرية أو أمنية خارج المؤسسات الشرعية، وأكد أن قرار الحرب والسلم محصور بالدولة، وقرر الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية وإلزامه بتسليم سلاحه وحصر عمله في المجال السياسي، مع تكليف الأجهزة التنفيذ. وبذلك وضع قاعدة يفترض أن تحكم علاقة السلطة بالحزب بعد ذلك التاريخ، لا موقفاً ينتهي بانتهاء الجلسة.
لهذا اكتسب ملف المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر معنى يتجاوز التحقيق الأمني. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن ضبط نحو 780 كيلوغراماً من المواد المتفجرة، بينها C-4، ونقلت بعضها عن مصادرها أن الموقوفين أقرّا بانتمائهما إلى حزب الله وتلقيهما تعليمات لنقل الشحنة إلى الضاحية الجنوبية، فيما نشرت مصادر أخرى روايات تناقض بعض تفاصيل هذه الإفادات. لذلك يبقى التحقيق الرسمي المرجع الذي يحسم نهائياً الجهة المسؤولة والغرض من الشحنة؛ فالدولة التي نطالب بها لا تستبدل القضاء بالتسريبات. لكن حجم الواقعة وخطورتها ثابتان، كما أنها جاءت بعد أشهر من قرار حكومي يحظر تحديداً النشاط العسكري والأمني خارج المؤسسات.
ثم جاء موقف النائب إبراهيم الموسوي لينقل القضية من ملف متفجرات إلى أصل النزاع على السلطة. فالموسوي قال إنه إذا ثبت أن الشحنة تعود إلى «المقاومة» فلا خجل في ذلك، وربط استمرار حقها في الدفاع عن نفسها بما اعتبره عجز الدولة والجيش عن مواجهة إسرائيل. ولم يكن هذا موقفاً منفرداً؛ فرئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد رفض قرار الحكومة عند صدوره، ثم عاد ووصف حصرية السلاح بأنها «خطيئة»، مؤكداً تمسك الحزب بالمقاومة. بذلك لم يعد التحدي عبارة عابرة، بل خطاً سياسياً معلناً: الحكومة تقول إن القوة قرار حصري للدولة، فيما يقول الحزب إن تقديره لظروف الدولة وقدرتها يحدد متى تبقى القوة في يده.
هذه هي العقدة الأساسية. حين تصبح حصرية السلاح مشروطة بموافقة الطرف المطلوب منه الخضوع لها، تنتفي الحصرية من أساسها. لا يكون الخلاف عندئذ على جدول زمني أو آلية تنفيذ، بل على صاحب السلطة النهائية: الدولة أم التنظيم المسلح.
ضمن هذا السياق جاء اجتماع الثالث عشر من تشرين الأول في السراي، حيث استقبل سلام وفداً موحداً من «التنمية والتحرير» و«الوفاء للمقاومة»، بحضور رئيس مجلس الإنماء والإعمار ومدير غرفة العمليات المركزية، وبحث معه العودة والتعافي وإعادة الإعمار ومشاريع LEAP. اللقاء في ذاته طبيعي؛ هؤلاء نواب ومن حقهم مراجعة الحكومة. لكن دلالته تتغير عندما يأتي بعد رفض الحزب عملياً مرجعية الدولة الحصرية في السلاح، ثم يظهر الحزب وشريكه السياسي وفداً موحداً يبحث مع الحكومة أحد أكبر ملفات المرحلة المقبلة.
والخشية من إعادة إنتاج الوساطة السياسية في الإعمار ليست افتراضاً نظرياً. فمجلس الجنوب، وهو رسمياً جهاز تابع لرئاسة مجلس الوزراء، يؤدي بالفعل أدواراً مباشرة في العودة والتعافي، وقد كُلّف شراء وحدات سكنية جاهزة وإصلاح منازل متضررة في قرى جنوبية، فيما أكدت الحكومة دوره في تلبية حاجات المواطنين بالتنسيق مع مجلس الإنماء والإعمار. لكنه يعمل أيضاً داخل بيئة سياسية شديدة الارتباط تاريخياً بحركة أمل؛ وقد شهد ملف الإعمار اجتماعات تنسيقية شارك فيها رئيس المجلس ووزراء ونواب من «التنمية والتحرير» و«الوفاء للمقاومة» ومسؤولون بلديون من أمل وحزب الله. هذه الوقائع لا تجعل مجلس الجنوب مؤسسة حزبية قانوناً، لكنها تجعل خطر تحوّل الدولة إلى مصدر التمويل فيما يحتفظ الثنائي بموقع الوسيط السياسي احتمالاً جدياً يستحق الرقابة والمساءلة.
من هذه الزاوية يصبح اجتماع السراي أكثر حساسية. فإذا كانت الدولة تريد استعادة حضورها، فلا يكفي أن تكون صاحبة المال بينما يبقى الطريق السياسي إليها ماراً بالبنية نفسها التي سيطرت طويلاً على علاقة المواطن بالمؤسسات. فالمواطن الذي دُمّر منزله لا يجب أن يشعر أن استعادة حقه تبدأ من مكتب حزبي أو من قدرة كتلة سياسية على التفاوض باسمه. وإلا موّلت الدولة الإعمار، وذهب رصيده السياسي إلى من يقدّم نفسه بوابةً إليها.
وهذا يتعارض مع المنطق الذي يقوم عليه مشروع LEAP نفسه. فالبنك الدولي يعرّفه كمشروع للحكومة اللبنانية ضمن إطار قابل للتوسع إلى مليار دولار، بتمويل أولي قدره 250 مليون دولار، على أن يتولى مجلس الإنماء والإعمار التنفيذ ضمن هيكلية حكومية موحدة تقوم على الشفافية والمساءلة وتحديد الأولويات وفق معايير معلنة. والأهم أن الحكومة اللبنانية أقرت منهجية لإعادة الإعمار تنص على أن تستقبل الإدارات المعنية طلبات المساعدة، وأن تنشئ «وحدة مخاطر الطوارئ» في رئاسة مجلس الوزراء منصة رقمية لتتبّع كل طلب ومساره. أي أن الدولة وضعت بنفسها الأدوات التي تسمح ببناء علاقة مباشرة وقابلة للمحاسبة بينها وبين المتضرر.
بناءً على ذلك، يصبح المطلوب من سلام محدداً، لا شعاراً فضفاضاً عن «كلفة سياسية». لا أحد يطالبه بمقاطعة نواب حزب الله أو بحرمان الجنوب والضاحية من حقهما، بل بتطبيق الآليات التي أقرتها حكومته: تسجيل مباشر للمتضررين من دون إحالة حزبية، ومعايير استحقاق منشورة، ومنصة تتيح للمواطن معرفة مسار طلبه، وإعلان المشاريع والعقود وقيمتها ومراحل تنفيذها، ورقابة مستقلة على الصرف، مع فصل واضح بين الدور الإداري لأي مؤسسة عامة وبين النفوذ السياسي للقوى التي تعمل في محيطها. وهذه ليست شروطاً إضافية على خطة الحكومة، بل امتداد طبيعي لما أعلنته هي نفسها عن الشفافية والرقابة وتتبع الطلبات. عندها يصبح الإعمار حقاً تديره الدولة، لا خدمة يستطيع أي طرف تحويلها إلى نفوذ.
وثمة مفارقة أثقل: لا يمكن أن يبقى قرار القوة خاصاً فيما تصبح كلفته عامة. فإذا كانت الدولة هي التي تستدين، وتفاوض المانحين، وتعيد بناء الطرق والخدمات وتتحمل ماليتها العامة فاتورة التعافي، فمن الطبيعي أن تتمسك أيضاً بالقرار الحصري الذي يستطيع أن يعيد إنتاج الدمار. لا يجوز أن يكون اللبناني في طرابلس أو عكار أو زحلة أو المتن شريكاً في الدين وإعادة الإعمار، فيما لا يكون شريكاً عبر دولته في قرار استخدام القوة الذي ينتج تلك الفاتورة. وإلا أصبح النموذج قائماً على خصخصة القوة وتأميم الخسائر.
وهنا يتحدد امتحان نواف سلام. ليس في إصدار بيان إضافي، بل في أن تصبح قرارات حكومته قواعد للحكم: السلاح تحت سلطة واحدة، والإعمار عبر مؤسسات الدولة، والمال العام خاضعاً لرقابة واحدة، والمواطن قادراً على الوصول إلى حقه من دون وسيط إلزامي. فإذا استمر الحزب في رفض حصرية السلاح، فيما استمرت البنية السياسية نفسها في لعب دور البوابة إلى الإعمار، تكون الازدواجية قد غيّرت شكلها فقط: من ازدواجية في القرار الأمني إلى ازدواجية في علاقة المواطن بالدولة.
الدولة لا تُقاس بما تقرره، بل بقدرتها على فرض ما تقرره.



