ما بعد إيران: معركة قواعد المنطقة

جوزيف بوهيا
تبلغ الحروب أخطر مراحلها حين يصبح الخلاف على شروط السلام أكبر من الخلاف على وقف النار. عندها تدور المعركة على ما سيبقى بعد صمت المدافع: من يملك قرار الحرب؟ من يضمن حركة التجارة والطاقة؟ ومن يحتفظ بالقدرة على زعزعة استقرار الآخرين؟ من هذه الزاوية، تتجاوز المواجهة مع إيران برنامجها النووي وأذرعها، لتلامس قواعد السلطة في الشرق الأوسط وموقعه في المنافسة الأميركية–الصينية.
جوهر هذه القراءة أن بناء منطقة قابلة للاستقرار والاستثمار يصطدم بوجود قوى تستطيع تجاوز حكوماتها وفتح جبهات من أراضيها. فالاقتصاد الذي يقوم على موانئ وخطوط طاقة ومراكز بيانات يحتاج إلى سلطة تحميه وتضمن التزاماتها. وحين تعجز الدولة عن ضبط قرار الحرب، تصبح شراكاتها رهينة لحسابات لا تملكها، وتتحول السيادة المنقوصة إلى كلفة اقتصادية وأمنية دائمة.
على هذا الخلل يقوم جانب أساسي من النفوذ الإيراني. فالجماعات المسلحة المرتبطة بطهران تمنحها أدوات ضغط داخل دول أخرى، فيما تتحمل تلك الدول كلفة الانقسام والصراع. ولا يحتاج هذا النموذج إلى حكم البلد كله؛ تكفيه القدرة على شلّ قراراته الأساسية أو جرّه إلى مواجهة لم يخترها. لذلك قد تضعف إحدى الأذرع عسكريًا، وتبقى قادرة على منع الدولة من استعادة قرارها.
هذه هي مشكلة التسويات التي تعلّق استخدام السلاح وتترك سلطته خارج المؤسسات الشرعية: إنها توقف جولة وتحفظ شروط الجولة التالية. أما التحول البنيوي فيقتضي أن تفقد إيران امتياز التدخل المسلح في قرارات جيرانها. تستطيع أن تبقى دولة قوية ذات مصالح وشراكات، لكن العلاقة معها تصبح خيارًا سياديًا تتخذه الدول، بعدما كانت جماعات مسلحة تفرض جانبًا من شروطها.
غير أن هذا التحول يتصل بحساب أميركي أوسع. ففي المنافسة مع الصين، لا يكفي امتلاك اقتصاد ضخم وجيش متفوق؛ المطلوب حماية شبكات الإنتاج والتمويل والتكنولوجيا، وتقليل قدرة المنافس على التحكم بمساراتها. من يمتلك بدائل لموارده وأسواقه، ويحتفظ بقدرات يصعب استبدالها، يستطيع تحمل الضغط وفرض شروط أفضل.
لهذا الاتجاه أساس معلن. فاستراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في كانون الأول 2025 تربط منع الهيمنة المعادية على موارد الشرق الأوسط وممراته بتجنب الحروب الطويلة، وتقاسم الأعباء، وتوسيع الشراكات الاستثمارية والتقنية. المعادلة التي تكشفها الوثيقة هي الحفاظ على النفوذ بكلفة أكثر قابلية للاستمرار: شركاء يتحملون مسؤوليات أكبر، وردع يحمي المصالح، وروابط اقتصادية تجعل الشراكة ممتدة إلى ما بعد الأزمة.
وتكشف إدارة التكنولوجيا عن استمرارية اتجاهات أميركية عبر تبدل الإدارات. قيّدت إدارة بايدن وصول الصين إلى الحوسبة المتقدمة ومعدات تصنيع الرقائق، ووسعت القيود في 2024، فيما أعادت إدارة ترامب تنظيم الوصول إلى بعض التقنيات عبر التراخيص والشراكات. اختلفت الأدوات وحدود الانفتاح، لكن التكنولوجيا بقيت أصلًا استراتيجيًا تُدار إتاحته وفق اعتبارات الأمن والنفوذ.
العقود تمنح هذا النفوذ عمرًا أطول. فالمنظومة التقنية أو الدفاعية تنشئ علاقات في التدريب والصيانة والتحديث وحماية المعلومات، تتجاوز لحظة شرائها. وحين تتكامل مع التمويل والاستثمار، تصبح جزءًا من بنية الاقتصاد ومؤسسات الدولة. بهذا تتحول قدرات الشركات إلى أدوات قوة، ويكتسب القرار السياسي امتدادًا يصعب اختزاله في دورة انتخابية.
في المقابل، يدخل الخليج هذه المعادلة بمشروعه الخاص. فتنويع الاقتصاد نحو الصناعة والسياحة والخدمات والتكنولوجيا يجعل الأمن شرطًا لنجاح التحول كله. لم تعد كلفة الهجوم محصورة في منشأة تُرمم؛ إنها تمتد إلى التأمين والطيران والتمويل، وإلى ثقة المستثمر في أن المشروع سيعمل غدًا. كلما اتسعت المصالح المعرضة للتعطيل، ارتفعت كلفة التعايش مع تهديد قابل للتجدد.
لكن ألا تكون التهدئة مع طهران أقل كلفة من مواجهة أدواتها؟ هذا هو الاختبار الأصعب للأطروحة. تكون التهدئة خيارًا عقلانيًا حين تنتج أمنًا قابلًا للاستمرار، وتفقد هذه الأفضلية حين تترك للطرف الآخر قدرة تجديد التهديد وطلب تنازلات إضافية. عندئذ يجب مقارنة كلفة المواجهة بكلفة اضطراب متكرر لسنوات، لا بكلفة يوم هادئ. المسألة تصبح: هل يشتري الاتفاق استقرارًا، أم يؤجل استحقاقًا تتضخم فاتورته؟
والفارق بين إدارة التهديد ومحاولة تقليصه يظهر في الجمع بين الغارات السعودية على مواقع الحوثيين وتعزيز الحماية الدفاعية بالتعاون مع تركيا وباكستان. في هذا الجمع تتضح معادلة أمنية أوسع: اعتراض الهجوم يحمي المنشأة، وتقليص قدرة الخصم على تكراره يحمي استمرارية المشروع.
تكون القوة مجدية حين تغيّر شروط التسوية: تقلّص قدرة الجماعة المسلحة على فرض إرادتها، وتمنع إعادة بناء التهديد، وتُترجم إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ والتحقق. بذلك تنتقل المفاوضات من شراء توقف مؤقت للهجمات إلى تثبيت قيود على استئنافها. معيار النجاح هو ما يفقده الطرف المسلح من قدرة على الإكراه، وما تكسبه الدولة من قدرة على الحماية والإنفاذ. فالردع الذي يصون الاتفاق هو ما يمنحه عمرًا يتجاوز الهدنة.
في الاتفاقات التقنية يتخذ هذا التقاطع الخليجي–الأميركي شكلًا ملموسًا. فإطار التعاون الأميركي–الإماراتي المعلن في أيار 2025 يربط تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بمعايير أمنية أميركية، وكذلك تقرن مذكرة التعاون الأميركية–السعودية المعلنة في تشرين الثاني من العام نفسه الوصول إلى الأنظمة المتقدمة بحماية التكنولوجيا. الخليج يريد امتلاك قدرات اقتصادية جديدة، وواشنطن تريد توسيع حضور تقنياتها وشروط استخدامها؛ وحماية هذه الاستثمارات تمنح الطرفين مصلحة مشتركة في تحجيم مصادر التهديد.
تلتقي هذه المصالح عند تقليص قدرة إيران على التعطيل، ثم تحويل الاستقرار إلى شراكات تحدد موقع المنطقة في المنافسة العالمية. والمأزق أن ما تحتاجه واشنطن وشركاؤها لضمان الاتفاق قد تعتبره طهران تفكيكًا لنفوذها ووسائل حمايتها. يتعاظم خطر التصعيد عندما يصبح الحد الأدنى المطلوب لاستقرار المنطقة أكبر مما تقبل إيران خسارته.
أما في لبنان، فالمراوحة لا تحفظ توازنًا؛ إنها تستنزف قدرة الدولة على التأثير في مصيرها. كل تأجيل لحصر السلاح يترك البلاد مكشوفة أمام اتساع الحرب، ويمنح إسرائيل مساحة إضافية لفرض الوقائع بالقوة. والخطر أن يجد لبنان نفسه، بمؤسساته واقتصاده ومجتمعه، في موقع الطرف الخاسر، ويتلاشى الفرق عمليًا بين خسارة الحزب وخسارة البلد عند تحديد شروط وقف القتال وإعادة الإعمار.
فمع كل أرض تُحتل ومنشأة تُدمّر وموجة نزوح جديدة، يخسر لبنان من قدرته على الصمود ومن أوراقه التفاوضية، فيما تتسع قدرة إسرائيل على فرض شروطها. استعادة الدولة قرار السلاح الآن تحفظ لها دورًا في صياغة التسوية والمطالبة بالانسحاب وضمانات الحدود؛ أما تركه للقضم العسكري فيهدد بتحويل لبنان من طرف يفاوض على شروط إنهاء الحرب إلى طرف يبحث عن تخفيف ما يُفرض عليه. وقد لا يعود تسليم السلاح وحده كافيًا لوقف الحرب.
هذا هو الرهان الذي يتجاوز لبنان إلى المنطقة: أن تستعيد الدول قرارها قبل أن تُفرض عليها ترتيبات لا تملك شروطها. تحتاج واشنطن إلى شركاء قادرين على الاستمرار والاختيار، وتحتاج دول المنطقة إلى تحرير أمنها وتنميتها من سلطة السلاح الموازي. أما خسارة إيران الحاسمة فتقع حين تفقد القدرة على جعل سيادة الآخرين موضوعًا للتفاوض. عندها يبدأ التحول الحقيقي: دول تتفاوض على مصالحها، بعدما كان الآخرون يتفاوضون على مصيرها.

كاتب ومحلّل سياسي لبناني مقيم في الولايات المتحدة. يكتب في القضايا اللبنانية والإقليمية والدولية، وتتركّز اهتماماته على شؤون الدولة والسيادة، والتحولات الجيوسياسية، وصراعات النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط. يعتمد في مقالاته مقاربة تربط الحدث السياسي بسياقه الاستراتيجي، مع اهتمام خاص بموقع لبنان ضمن التحولات الإقليمية والدولي



