من قال إن المشهد سوداوي؟

شارل جبّور
من قال إن المشهد السياسي المتعلق بلبنان هو مشهد سوداوي؟ ومن قال إن الأمور مقفلة، لمجرد أن “حزب الله” لا يريد تسليم سلاحه وإنهاء دوره المسلح، رغم أن هذا الدور انتهى عسكرياً وإقليمياً ومحلياً، بفعل المعطيات الجغرافية والعسكرية والاستراتيجية الجديدة؟
ومن قال إن المشهد سوداوي لأن الدولة اللبنانية لا تزال مترددة في تنفيذ قراراتها المتعلقة بنزع سلاح “حزب الله”، وحل تنظيمه العسكري والأمني، وإنهاء وضعية السلاح غير الشرعي، وإجراء التشكيلات العسكرية والأمنية المطلوبة لإبعاد جماعته عن الدولة ومؤسساتها؟
صحيح أن المشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه انسداد مزدوج: إيران تريد الاحتفاظ بأداتها في لبنان، رغم انطفاء الدور الذي كانت تؤديه هذه الأداة، والدولة اللبنانية لا تزال مترددة في الذهاب إلى النهاية، بانتظار تطورات خارجية قد تساعدها على اتخاذ القرار. لكن في قلب هذا المشهد توجد معطيات مختلفة تماماً، بل ربما هي المعطيات الأكثر أهمية التي ينبغي للبنان الرسمي ولجميع اللبنانيين أن يبنوا حساباتهم عليها.
المشهد غير سوداوي لسبب أساسي، وهو أن الولايات المتحدة الأميركية ليست في وارد الضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان قبل معالجة مسألة سلاح “حزب الله”، وإسرائيل ليست في وارد الانسحاب قبل نزع هذا السلاح وإنهاء البنية العسكرية والأمنية للحزب. فمعظم الشعب اللبناني لا يريد العودة بلبنان إلى الزمن الذي تتحكم فيه الممانعة، وطالما أن الأخيرة تحت النار، فلتتحمل وحدها هذه المسؤولية. وهنا تحديداً تكمن ورقة القوة التي باتت في يد لبنان الرسمي. وكل ما تحاول الممانعة القيام به لإعادة إنتاج المعادلة السابقة لن يؤدي إلى أي نتيجة، لأنها تنطلق من سوء تقدير مزدوج:
سوء التقدير الأول أنها اعتقدت أن ما حصل في السابع من أكتوبر كان عملية عسكرية يمكن أن يقتصر الرد عليها على عملية عسكرية إسرائيلية عادية، ولم تدرك أن إسرائيل قررت التعامل مع الذين شاركوا في السابع والثامن من أكتوبر على أساس اقتلاع القدرة العسكرية التي سمحت لهم بتنفيذ ما نفذوه.
أما سوء التقدير الثاني، فكان الاعتقاد بإمكان بلف الولايات المتحدة الأميركية والالتفاف عليها كما كان يحصل دوماً: تقديم الوعود بالسيادة وبسط سلطة الدولة وحصرية السلاح وتطبيق القرارات الدولية، ثم انتظار خروج إسرائيل من الباب لكي تعود الممانعة وسلاحها من الشباك.
هذه اللعبة انتهت. لم يعد ممكناً إقناع الولايات المتحدة بالكلام عن السيادة إذا كان الهدف الفعلي هو إعادة إنتاج الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب. ولم يعد ممكناً أن تنسحب إسرائيل، ثم تعود إيران إلى لبنان عبر أداتها العسكرية والأمنية، وكأن شيئاً لم يتغير.
ولهذا فإن إسرائيل لن تنسحب، والولايات المتحدة لن تضغط عليها للانسحاب، ما لم تُحسم مسألة السلاح. وهذه هي ورقة القوة الوحيدة التي باتت متاحة أمام لبنان الرسمي، وعليه أن يعرف كيف يستخدمها، بدلاً من التعامل معها وكأنها عبء فقط، لأن المشكلة الأساسية التي تمنع عودة لبنان دولة طبيعية هي “حزب الله” وليس إسرائيل، وأي انسحاب للجيش الإسرائيلي من دون معالجة مسألة سلاح الحزب يعني استمرار لبنان ملحقاً بإيران.
وعلى الممانعة، وخصوصاً بيئتها، أن تدرك بدورها أن استمرار الاحتفاظ بالسلاح يعني استمرار النتائج المترتبة على هذا القرار. فالعودة إلى القرى لا تتحول إلى أمر واقع بمجرد المطالبة بها، والعودة إلى المنازل لا تصبح ممكنة بمجرد رفع الشعارات، وإعادة الإعمار لا تبدأ بمجرد الحديث عنها.
من يحتفظ بالسلاح يتحمل مسؤولية استمرار هذه المعادلة. لقد سقطت العدة القديمة التي قامت على المماطلة والبلف والكذب ومحاولة شراء الوقت. فلا يمكن أن تكون هناك عودة إلى القرى من دون إنهاء السبب الذي أدى إلى دخول إسرائيل، ولا إعادة إعمار فعلية من دون معالجة أصل المشكلة، ولا انسحاب إسرائيلي من دون إنهاء البنية العسكرية لـ”حزب الله”.
والخطورة أن هذه المعادلة ليست بالضرورة قصيرة المدى. فمن قال إن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يريد حسمها قبل الانتخابات؟ ومن قال إن الحكومة الإسرائيلية التي ستأتي بعد الانتخابات ستكون مستعدة للعودة إلى المعادلة القديمة؟ إسرائيل مرتاحة إلى واقع أمني جديد على حدودها الشمالية، وقد نجحت في تأمين حدودها بصورة مختلفة جذرياً عما كانت عليه قبل الحرب.
وصحيح أن من يدفع ثمن استمرار هذا الواقع مالياً واقتصادياً هو لبنان، كل لبنان، لكن الكلفة تبقى أقل بكثير من استمرار الجسم العسكري لإيران في لبنان، وعلى اللبنانيين التكيُّف مع هذا الواقع، الذي سيطول، ربما، والبحث بأفكار من خارج الصندوق مع الولايات المتحدة بعنوان التمييز بين لبنان الإيراني ولبنان واللبناني.
وصحيح أن إيران تريد الإبقاء على أداتها اللبنانية، وصحيح أن “حزب الله” لا يريد التخلي عن سلاحه، وصحيح أن الدولة اللبنانية لم تحسم خطواتها التنفيذية، لكن الصحيح أيضاً أن المعادلة الإقليمية والدولية التي كانت تسمح للممانعة بالمناورة لم تعد موجودة.
لن يكون، هذه المرة، هناك انسحاب إسرائيلي لمجرد الانسحاب، ولا ضغط أميركي على إسرائيل للانسحاب، ولا وقف للعمليات لمجرد وقف العمليات، ولا عودة إلى الوضع السابق لمجرد أن الممانعة تريد ذلك. وهذه هي النقطة التي يجب أن يبني لبنان الرسمي حساباته عليها. فالمسألة لم تعد كيف نشتري الوقت، ولا كيف ننتظر تطوراً خارجياً يعيد إنتاج المعادلة القديمة. المسألة هي كيف يستفيد لبنان من التحول الذي حصل، وكيف ينتقل من موقع المتلقي لتداعيات الصراع إلى موقع الدولة التي تستخدم أوراق القوة المتاحة أمامها لتحقيق هدفها الأساسي بقيام دولة طبيعية.
لقد دخل لبنان مرحلة جديدة، وعلى اللبنانيين أن يتعاملوا معها على هذا الأساس. وبالعودة إلى السؤال الأساسي: من قال إن المشهد سوداوي؟ المشهد صعب، نعم. وكلفته على لبنان كبيرة، نعم. وقد يطول، نعم. لكن للمرة الأولى منذ عقود، هناك معادلة واضحة تصبّ في خدمة الاستراتيجية اللبنانية: لا عودة إلى الوراء، ولا انسحاب إسرائيلي قبل إنهاء السلاح الإيراني، ولا إعادة إنتاج للمشروع الإيراني المسلح في لبنان.



