لماذا معادلة الانسحاب بالتوازي فاشلة؟ وما البديل عنها؟

الانسحاب الإسرائيلي ومعادلة التوازي مع بسط سيادة الدولة وحصر السلاح في لبنان

شارل جبّور

وصف رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعه بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالتمام، وكان جوهر البحث اتفاق الإطار، ولا سيما ضرورة اعتماد جدول زمني لانسحاب إسرائيل من جهة، وبسط سيادة الدولة اللبنانية من جهة أخرى، أي تنفيذ المسارين بالتوازي، بحيث يترافق الانسحاب الإسرائيلي مع خطوات لبنانية ملموسة على صعيد حصر السلاح.

مبدأ التوازي، كمبدأ عام، صحيح: بقدر ما تتقدم الدولة اللبنانية في بسط سلطتها وحصر السلاح بيدها، تتقدم عملية الانسحاب الإسرائيلي. لكن المشكلة ليست في المبدأ، بل في تطبيقه على أرض الواقع.
فالقرار الإسرائيلي بالانسحاب هو في يد إسرائيل. وقد سبق أن انسحبت من لبنان عام 2000، وانسحبت عام 2006، وهي قادرة على الانسحاب اليوم متى قررت ذلك. أما المشكلة الحقيقية، فهي في قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها، وهي القدرة التي لا تزال موضع شك كبير، ليس فقط إسرائيليًا وأميركيًا، بل لبنانيًا أيضًا.

والدليل أن تجربة “المناطق النموذجية” فشلت فشلًا ذريعًا، ولا يمكن أصلًا قيام منطقة نموذجية في ظل استمرار وضعية “حزب الله” كما هي. فمنذ يومين فقط، تحدث أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم عن استمرار ما يسمّيه “المقاومة”، ودعا إلى تجميد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وكأن شيئًا لم يتغيّر، وكأن كل ما حصل في الحزب ولبنان والمنطقة لا يستدعي منه أي مراجعة.

فكيف يمكن الحديث عن انسحاب بالتوازي، فيما الدولة اللبنانية عاجزة عن وضع حدّ لخطاب يشكل تحديًا مباشرًا لسيادتها وللأمن القومي اللبناني؟ وكيف يمكن أن تنجح خطة لبسط سيادة الدولة، فيما الحزب غير معني بها أصلًا، بل يتمسك بسلاحه وبمشروعه المسلح، فيما الدولة نفسها لا تزال مترددة في مواجهته؟
المسألة لا تُقاس بعدد من المقاتلين الذين يمكن للدولة أن تمنعهم من دخول قرية معينة، أو بلائحة أسماء تملكها إسرائيل. لأن الحزب يستطيع، في المقابل، أن يعوّضهم بعشرات آخرين. المسألة ليست أمنية موضعية، بل مسألة قرار سيادي شامل ينهي الوضعية المسلحة للحزب.

كان مبدأ التوازي يمكن أن يكون قابلًا للتطبيق مع دولة عازمة فعلًا على بسط سلطتها ومواجهة السلاح غير الشرعي، أما في ظل دولة تقول إنها تعمل على “إعادة الثقة” بها، كما قال الرئيس سلام نفسه في خطابه أمام الأمم المتحدة، فإن السؤال يصبح: كيف تُستعاد هذه الثقة؟

الثقة الداخلية والخارجية بالدولة اللبنانية لا تُستعاد بالشعارات، ولا بالجداول الزمنية، بل بإثبات قدرتها على تنفيذ قراراتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها، فيما القرارات التي اتخذتها ما زالت حبرًا على ورق، ولا مؤشرات كافية إلى أنها ستنتقل من الأقوال إلى الأفعال.

ولا أحد يشكك في أن إسرائيل ستنسحب في نهاية المطاف، لكن المشكلة أن الانسحاب الإسرائيلي مرتبط عمليًا بقدرة الدولة اللبنانية على إنهاء الوضع العسكري لـ”حزب الله”. فإذا أرادت الدولة خروج إسرائيل من لبنان، فعليها أن تبدأ من نزع سلاح الحزب وبسط سيادتها.

إن “التوازي” بصيغته الحالية شعار جميل لدولة سيدة قرارها: مقابل كل خطوة إسرائيلية، خطوة لبنانية. لكن القرار في لبنان ما زال بيد الحزب الإيراني، والدولة لا تملك قرارها، ومن يسيطر على الأرض يسيطر على القرار، والسيطرة على الأرض ما زالت بيد الحزب.

وهل من يشكك من اللبنانيين في أن أي انسحاب إسرائيلي سيقابله تمدد وتقدم للحزب الإيراني؟ إسرائيل تنسحب، فيما يبقى “حزب الله” مسلحًا؛ الدولة تبسط سيادتها نظريًا، فيما يحتفظ الحزب بقدرته العسكرية؛ وتُستعاد الثقة بالدولة في الخطابات، فيما يبقى قرار الحرب والسلم خارجها. وهذا ليس توازيًا، بل إبقاء للأزمة في دائرة مفرغة.

من يريد فعلًا خروج إسرائيل من لبنان، عليه أن يبدأ من نزع سلاح “حزب الله”، وليس بالطلب من إسرائيل أن تنسحب بالتوازي مع بقاء السلاح الإيراني.

المعادلة المطلوبة ليست الانسحاب بالتوازي، الذي يصح لو كان هناك دولة تملك قرارها. أما في الواقع الحالي، فلا يصح. وبالتالي، فإن المعادلة المطلوبة لكل من يريد أن تخرج إسرائيل من لبنان هي التالية: بسط الدولة اللبنانية سيادتها يؤدي تلقائيًا إلى خروج إسرائيل من لبنان. فإذا بسطت الدولة سلطتها، أصبح الانسحاب الإسرائيلي ممكنًا؛ وإذا بقي “حزب الله” مسلحًا وقادرًا على فرض معادلته، فسيبقى الانسحاب مؤجلًا.

ولا حاجة إلى إنشاء آلية تحقق موثوقة لمتابعة التنفيذ والتأكد من الالتزام بالتعهدات، بما يحول دون استخدام عدم التنفيذ ذريعة لتعطيل المسار. فهذه الآلية تصبح مطلوبة في ظل دولة لبنانية مائعة. أما لو عملت الدولة، بموجب روحية اتفاق الإطار، على أساس أن “حزب الله” هو العدو المشترك لواشنطن وتل أبيب وبيروت، لما كانت هناك حاجة إلى كل هذه الآليات للمراقبة والتحقق.

وأمام الرئيس سلام تجربة الرئيس فؤاد السنيورة، حيث انسحبت إسرائيل عام 2006، فتسلّم “حزب الله” مكانها في المناطق التي خرجت منها، وبدأ يعدّ عدته للانقلاب على الدولة. فهل يريد أن يستنسخ هذه التجربة، بأن تنسحب إسرائيل فيما يبقى “حزب الله؟ وهذا يعني ببساطة أن الدولة تكون قد سلّمت لبنان مجددًا إلى الحزب، ليعود إلى الإمساك بالحكومة ومحاصرة السراي، وإعادة البلد إلى منطق 7 أيار.

وعلى الرئيس سلام والجميع أن يتذكروا أنه لولا سلاح “حزب الله” لما دخلت إسرائيل إلى لبنان، وبالتالي على الدولة أن تنزع هذا السلاح تمهيدًا لخروج إسرائيل من لبنان. وعلى الرئيس سلام أن يتذكر، هو ورئيس الجمهورية أيضًا، أن إسرائيل تتفاوض مع لبنان فيما “حزب الله” ما زال يملك قرار الحرب والأرض. وبالتالي، ومن دون حياء ولا تعقيدات ولا عُقد، المطلوب ليس السؤال: كيف نحقق الانسحاب بالتوازي؟ بل السؤال الحقيقي هو: كيف ننزع سلاح “حزب الله” أولًا؟