لبنان “لم يلتزم”

لبنان لم يلتزم وحصرية السلاح ودور الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة

لم يعد لبنان في عام 2006. تبدّلت الظروف، ولم يعد بإمكان الدولة اللبنانية إعلان شيء والتصرّف بطريقة أخرى. عام 2006، قالت الشرعية اللبنانية إنها تلتزم تطبيق مندرجات القرار الدولي 1701، ولكن الأحداث التي طبعت المسار الأمني والعسكري ما بعد عام 2006، وصولًا إلى “حروب الإسناد”، أثبتت أن لبنان لم يلتزم حتى الساعة تطبيق القرار الدولي 1701. وهذا أكيد، لأن القرار تحدّث بكل وضوح عن نزع سلاح التنظيمات المسلّحة غير الشرعية، الأمر الذي لم يتحقق، وهذه حقيقة لا لبس فيها.

سبب تقاعس لبنان يعود إلى هيمنة حزب الله منذ ذلك الحين على القرارين الميداني والسياسي لمنع التخلّي عن سلاحه، وخضوع المسؤولين الرسميين لمشيئته طوال هذه المرحلة. وعلى العكس، تطوّر حزب الله عسكريًا، وزاد قدراته وإمكاناته أمام أعين الشرعيّة اللبنانية، ووسّع حضوره الإقليمي وانخراطه في ساحات عدّة، من سوريا إلى العراق واليمن.

ومع اقتراب المنطقة من مرحلة سياسية جديدة على خط القضية الفلسطينية، وبدء تبلور مسارات سياسية كان من شأنها إعادة رسم مقاربة الصراع، جاءت عملية “7 أكتوبر” 2023 والحرب التي أعقبتها لتقلب المشهد الإقليمي. أذرع إيران دخلت مرحلة جديدة من المواجهة تحت عنوان “إسناد غزة”، وكان لبنان إحدى ساحاتها الأساسية.

دخل لبنان، بفعل دخول حزب الله حرب إسناد غزة، إلى جحيم المنطقة، ولم تتوقف الأعمال الحربية الإسرائيلية ضد حزب الله إلا بمحاولة جديدة مع اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي وُقّع بين حكومتي لبنان وإسرائيل في تشرين الثاني 2024. هذه المرّة، لبنان أيضًا لم يلتزم، ولم يُسحب السلاح غير الشرعي من كل لبنان كما نصّت مقدمة الاتفاق.

لم ينتهِ حزب الله بعد هذه الجولة، وفتح حربًا جديدة في آذار الماضي أوصلت لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، أنتجت في جولاتها الأولى اتفاق إطار مع إسرائيل يرتكز في جوهره على نزع سلاح حزب الله ويربطه بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وحتى مع التوغّل الإسرائيلي غير المسبوق في تاريخ الصراع، لا يزال لبنان في دائرة عدم الالتزام، ويؤجّل الخطوة الجوهرية التي لم تتحقّق حتى الساعة، وهي تفكيك البنى العسكرية والأمنية التابعة لحزب الله. مع العلم أن حكومة لبنان قرّرت ذلك العام الماضي، وكلّفت الجيش وضع خطة تفصيلية لجمع هذا السلاح، واختارت حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله بعد دخوله الإسناد الأخير، الأمر الذي لم يُطبّق أيضاً.

الأساس لم يُنجز بفعل عدم التزام لبنان بما تعهّد به وقرّره وأعلنه. وإذا كان الانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، وإعادة الإعمار، وجلب الاستثمارات، ودعم المؤسسات الشرعية، وتحديدًا الأمنية والعسكرية منها، كلّها مرتبطة بإنهاء هذا السلاح الذي كان عليه أن ينتهي أسوة بباقي الميليشيات اللبنانية منذ بزوغ فجر اتفاق الطائف، فلماذا لا تنهيه الدولة اليوم؟

وبعد كل ما حدث، لا يسعنا أمام الأحداث الأخيرة إلا النظر بعين الواقع إلى مواقف المسؤولين الرسميين في لبنان، الذين يعلنون ضرورة حصريّة السلاح، فيما هم لا يعملون على ذلك. ولا يسعنا إلا الاعتقاد أن هؤلاء، وفي هذه الحالة، لا ينوون التقدّم نحو فتح مسارات جديدة للحلّ في لبنان.

مدّتهم في الحكم اللبناني تمضي، والتوغّل الإسرائيلي يتوسّع، والانهيار الاقتصادي الجديد يطرق الأبواب، والأوضاع المعيشية تتردّى من جديد، وهم يتفرّجون على “التزام” وقّعوه أمام الرأي العام المحلي والدولي، ولم يلتزموا بشروطه.

ولإخفاء عجزهم، يقولون إن لبنان التزم. لا، لبنان لم يلتزم، وما تبقّى من السلاح لا يزال في المخازن. وإذا كان حزب الله فصيلًا إيرانيًا، ولا يأبه لاقتصاد لبنان وعافية اللبنانيين، ولا لأمن البلاد وسيادتها واستقرارها، أفلا تأبهون أنتم لكل ذلك؟