إذا كان الرئيس عون غير قادر على تنفيذ مهمة نزع السلاح، فليقدِّم استقالته

الرئيس جوزاف عون ونزع السلاح وحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية في مقال شارل جبّور
شارل جبّور

أي مقاربة لمسألة نزع سلاح “حزب الله” يجب أن تنطلق من تشخيص صحيح للمشكلة، لأن أحدًا لا يستطيع معالجة مريض إذا كان تشخيص الطبيب خاطئًا. وأي مقاربة تعتبر، أو تسلّم، بأن هذا الحزب لديه حجة لحمل السلاح هي مقاربة خاطئة وخطيئة في الوقت نفسه، ولن توصل إلى الهدف المنشود.

المشكلة في لبنان ليست أن الحزب الإيراني يحتاج إلى ضمانات كي يتخلّى عن سلاحه، وليست أن على الدولة أن تثبت له أنها قادرة على القيام بالمهمة التي يدّعي، كذبًا وزورًا وبهتانًا، أنه يقوم بها. المشكلة هي أن هناك حالة انقلابية على الدولة وعلى الدستور مستمرة منذ العام 1990، وأن “حزب الله” هو الأداة الإيرانية التي أبقت هذه الحالة قائمة، ومنعت قيام دولة فعلية وتطبيق الدستور وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
التشخيص الصحيح يقول إن “حزب الله” هو أداة إيرانية، وهو جزء لا يتجزأ من “الحرس الثوري الإيراني”، ولا يمت بصلة إلى الواقع اللبناني من حيث وظيفته العسكرية والأمنية. وهو الذي يعيق قيام الدولة الفعلية، ويمنع تطبيق الدستور، ويبقي لبنان ملحقًا بإيران، ويستجلب إسرائيل إلى لبنان، ويحرم اللبنانيين من حقهم في الاستقرار والازدهار.

فالعدو الحقيقي للدولة اللبنانية وللبنانيين الذين يريدون دولة فعلية هو “حزب الله”، الذي يحتفظ بسلاح إيراني تنفيذًا لأجندة توسعية وتخريبية إيرانية أبقت لبنان وتبقيه ساحة من ساحاتها. وهو الحزب نفسه الذي تحمّل مسؤولية الحرب مع إسرائيل في تموز 2006، بعدما كانت إسرائيل قد انسحبت من لبنان من تلقاء نفسها عام 2000، وهو الحزب الذي أعاد الاعتداء على إسرائيل في 8 تشرين الأول 2023، وهو الحزب الذي شنّ الحرب عليها في 2 آذار 2026.

فبعد 36 عامًا على نهاية الحرب اللبنانية، وبعد هزيمة الحزب الإيراني المزلزلة وتوقيعه صك استسلام في 27 تشرين الثاني 2024، وبعد سقوط بشار الأسد وهربه إلى موسكو، وبعد التحولات الكبرى في الإقليم وفي لبنان، والتي نتج عنها انتخاب الرئيس جوزاف عون في 9 كانون الثاني 2025، كان يفترض أن تكون أولويته الأولى التي لا تعلو عليها أولوية، مستفيدًا من هزيمة الحزب، هي استكمال تطبيق الدستور في شقه السيادي، بنزع سلاح هذا الحزب وتفكيك تنظيمه العسكري والأمني.

وقد تعهّد الرئيس جوزاف عون في خطاب القسم بحصرية السلاح بيد الدولة، وتعهدت حكومة الرئيس نواف سلام في بيانها الوزاري بإنهاء ازدواجية السلاح، واتخذت لاحقًا قرارات رسمية في هذا الاتجاه في 5 آب 2025، وصولًا إلى قرار 2 آذار 2026 الذي أعلن حظر نشاطات هذا الحزب الأمنية والعسكرية وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة.

إن أي مقاربة لا تنطلق من هذا الواقع لا يمكن أن تحقق النتائج المرجوة منها. وإذا أردنا العودة إلى أصل المشكلة، فلا بد من التوقف عند اللحظة التي تلت إقرار اتفاق الطائف وانتخاب الرئيس رينيه معوض، الذي اغتاله نظام حافظ الأسد بهدف الانقلاب على اتفاق الطائف وانتظار اللحظة التي يمسك فيها بمفاتيح الوضع في لبنان. وقدّم له العماد ميشال عون هذه المفاتيح من خلال رفضه الالتزام بالشرعية المنبثقة من الشرعية اللبنانية والعربية والدولية التي انبثقت عن اتفاق الطائف وأدت إلى انتخاب الشهيد معوض.

ثم جاءت حرب العراق والتفويض الأميركي لحافظ الأسد باستلام لبنان. وعندما اغتيل الرئيس رينيه معوض، كان من البنود التي وضعها النظام الأسدي على من يريد أن يخلفه إزالة التمرد في القصر الجمهوري. وهذا التمرد، لو لم يحصل، لما كان نظام الأسد قد بقي في لبنان بهذه الصورة، ولما كان اغتيال معوض، ربما، قد حصل.

لذلك، كان يفترض، عند انتخاب الرئيس جوزاف عون، أن يوضع بند أساسي وشرط أساسي لانتخابه: تنفيذ الدستور اللبناني، في شقه السيادي، وإنهاء الحالة الإيرانية الانقلابية المستمرة منذ العام 1990.
وبمعزل عن كل القرارات الدولية، وبمعزل عن أي قرارات حكومية، وبمعزل عن أي بيان وزاري، وبمعزل عن كل الوقائع الميدانية التي أدت إلى هزيمة “حزب الله” أمام إسرائيل، كان يجب أن يكون تطبيق الدستور اللبناني، بشقه السيادي، شرطًا أساسيًا لانتخاب الرئيس جوزاف عون أو غيره. فالخلل هو أن جزءًا أساسيًا من الدستور لم يُنفّذ، وتحديدًا في ما يتعلق بقيام الدولة وحصرية السلاح والقرار الأمني والعسكري بيد مؤسساتها الشرعية.

وكان يجب أن يُطرح على العماد جوزاف عون السؤال قبل انتخابه: هل يتعهّد بإزالة الانقلاب الإيراني على الدولة اللبنانية أم لا؟ ووفقًا لجوابه، يُنتخب أو يتم البحث عن من يتعهد بتطبيق الدستور اللبناني. وهذا أساسًا واجب أي رئيس للجمهورية يحلف اليمين على هذا الدستور عند انتخابه.

وهذا يعني أنه إذا كان قادرًا على بسط سلطة الدولة، فكان يجب انتخابه على هذا الأساس. أما إذا لم يكن قادرًا، فلم يكن يجب أن يُنتخب أصلًا، وكان يجب الاعتذار منه والبحث عن رئيس قادر على تنفيذ هذه المهمة اللبنانية الدستورية السيادية.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة المقال الذي كتبه مستشار رئيس الجمهورية، الأستاذ جان عزيز، في موقع “Just Security”، بعنوان: “لا تدع اتفاق السلام في لبنان يثبت أن حزب الله كان محقًا”. العنوان بحد ذاته خطيئة كبيرة. فـ”حزب الله” لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يكون محقًا، بمعزل عن أي سبب وأي حجة وأي تبرير وأي منطق. “حزب الله” هو المسؤول، وهو الخطيئة، وهو الكارثة التي أصابت لبنان.
والأخطر من العنوان هو المنطق الذي يقوم عليه المقال، عندما يقول إن “حزب الله تذرع بأن الدولة لا تستطيع حماية لبنان من إسرائيل أو إجبارها على الانسحاب، وإن أي عملية جادة لإنهاء الدور العسكري للحزب يجب أن تتعامل مع هذه الحجة، لا أن تكتفي بمجرد استنكارها، وأن على الدولة اللبنانية أن تثبت أن مؤسساتها قادرة على تحقيق النتائج الأمنية التي تزعم المقاومة أنه لا يمكن توفيرها إلا عبر السلاح الذي في يد الحزب”.

كما يتحدث المقال عن فخ يغذي نفسه بنفسه: إسرائيل تشير إلى سلاح الحزب كسبب للبقاء، والحزب يشير إلى استمرار الوجود الإسرائيلي كسبب للبقاء مسلحًا، وإذا استمر هذا الأمر فإن الاتفاق، بحسب المقال، لن يضعف شرعية المقاومة لدى الحزب، بل سيمدّها بأدلة جديدة.

كل هذا الكلام لا يمت إلى الواقع والحقيقة بصلة. لأن المطلوب ليس أن تثبت الدولة لـ”حزب الله” أن حجته خاطئة. إن مجرد وجود هذا الحزب هو الخطيئة بحد ذاتها. المطلوب أن تطبق الدولة دستورها. وكان على رئيس الجمهورية أن يقول منذ اللحظة الأولى: أنا أريد أن أطبق الدستور اللبناني، وأنهي الحالة المسلحة الخارجة عن الدولة، وأن أجعل السلاح حصرًا بيد الدولة.
وهذا هو جوهر مهمة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. أما أن تتحول الدولة إلى طرف يحاول إقناع الحزب الإيراني بأن التخلي عن سلاحه لن يعرّض لبنان للخطر، فهذا يعني عمليًا التسليم بأن الحزب يملك حقًا في السلاح يحتاج إلى ضمانات، وهذا ما يجب رفضه من أساسه.

وفوق ذلك، كان يجب على رئيس الجمهورية ألا يذهب إلى السلام أو إلى المفاوضات مع إسرائيل إذا لم يكن يريد السلام وإنهاء الحالة الإيرانية التي تستخدم لبنان منصة للاعتداء على إسرائيل. ومن الواضح، في تقديري، أن ذهابه إلى المفاوضات هدفه الهروب من رفضه نزع السلاح الإيراني وإيهام الأميركيين بأنه مع السلام.

أما اتفاق الإطار، فروحيته حددها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بوضوح، وهي أن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة الأميركية يعتبرون “حزب الله” عدوًا، وأن مشكلة لبنان مع الحزب هي من طبيعة سيادية، لأنه يشكل الحاجز الإيراني أمام قيام الدولة في لبنان وبسط سيادتها وسلطتها، كما أن الحزب يشكل مشكلة من طبيعة أمنية لإسرائيل لأنه يعتدي على أمنها.
هذه هي روحية اتفاق الإطار. وليس المطلوب، وفق هذه الروحية، إعطاء “حزب الله” حججًا جديدة، بل إزالة السبب الذي يجعل لبنان ساحة إيرانية مفتوحة من خلال حل التنظيم العسكري لطهران في لبنان.

ومن هنا، فإن ما كتبه جان عزيز يشكل خطرًا كبيرًا وتراجعًا وكارثة كبرى على الدولة اللبنانية، لأنه ينقل النقاش من مكانه الصحيح ويعيد منح هذا الحزب الحجج. ويكفي أن صحيفة هذا الحزب سلطت الضوء على هذا المقال وهزئت من هذا الفريق بالعنوان الذي وضعته: “المستشار يُعرّي الرئيس: دونالد ترامب… أدركنا!”.
إن الحزب الإيراني هو المسؤول عن دخول إسرائيل إلى لبنان، وهو المسؤول عن استخدام لبنان منصة إيرانية لاستهداف إسرائيل، ولا بل الدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية، هي المسؤولة عن إبقاء لبنان منصة لإيران وتلكؤها في تطبيق دستورها.

والمطلوب من الدولة، بدل البحث عن حجج لهذا الحزب وتبريرات، أن تضع حدًا لهذه الحالة، وأن تحاكم المسؤولين في هذا الحزب الذين يتحملون مسؤولية إبقاء لبنان ساحة، كما مسؤولية استجلاب الحروب التي جلبت الويلات على لبنان، وأن يدخل المسؤولون عنها إلى السجون وفقًا للقانون.

لا حجة لـ”حزب الله”، لا من قريب ولا من بعيد، في الاحتفاظ بسلاحه خارج الدولة. أما إسرائيل، فمن الطبيعي أن تنسحب بعد نزع السلاح، لأنها خُدِعَت عندما انسحبت في العام 2000، لجهة أن الحدود اللبنانية ظلت خاضعة للأسد والخامنئي، وخُدِعَت عندما انسحبت في صيف 2006 بعدما دخلت بفعل الاعتداء عليها من هذا الحزب، فوثقت بأن القرار 1701 سيعيد الحدود إلى لبنان.
وكيف يمكن أن تثق اليوم بعدم تكرار ما حصل في التجربتين السابقتين، خصوصًا أن المسؤولين عن الدولة في لبنان لا يريدون تطبيق دستور دولتهم، وخصوصًا أن الحزب الإيراني يصرّح بأنه لا يريد تسليم سلاحه؟ ولا أحد يثق، في تقديري، بأن الدولة اللبنانية في وارد نزع سلاح “حزب الله” إذا انسحبت إسرائيل. فإذا كانت عاجزة عن نزع سلاحه اليوم، في ظل هزيمته وتراجعه من تلة إلى تلة، فهل ستنزعه بعد أن تنسحب إسرائيل ويعيد التقاط أنفاسه؟
وهنا أتمنى أن يدعو جان عزيز ورئيس الجمهورية إلى إجراء استفتاء لدى اللبنانيين:

من يثق بأن الدولة اللبنانية قادرة على نزع سلاح “حزب الله” بعد انسحاب إسرائيل، إذا كانت لا تنزع سلاحه الآن، فيما الحزب مهزوم ويتراجع من تلة إلى تلة، وإسرائيل تتقدم من تلة إلى تلة، والدولة لا تنزع سلاحه؟ فكيف إذا انسحبت إسرائيل؟

لبنان أمام فرصة تاريخية. ويبدو أن رئيس الجمهورية يريد إضاعة هذه الفرصة على اللبنانيين. وعليه أن يعترف ويقرّ: إذا كان غير قادر على تنفيذ مهمة نزع السلاح، فليقدّم استقالته الآن، من أجل انتخاب من هو قادر على نزع سلاح “الحزب الإيراني” في لبنان، من أجل قيام دولة فعلية، ومن أجل عودة لبنان بلدًا طبيعيًا بعيدًا عن الاحتلال الإيراني من خلال “الحزب الإيراني” في لبنان.