الرئيس عون يتبنى مطلب الثنائي الإيراني: الانسحاب الإسرائيلي أولاً

شارل جبّور
منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، تكوّن انطباعٌ بأن لبنان الرسمي انتقل من موقع تغطية السلاح الإيراني في لبنان إلى موقع رفع هذا الغطاء من أجل الوصول إلى دولة فعلية، ولم يكن هذا الانطباع بلا أسباب، إذ لو لم يكن هدف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، لما دفعا باتجاه قرار الحكومة في 5 آب 2025 المتعلق بنزع سلاح “حزب الله”، ولما اتخذت الحكومة في 2 آذار 2026 قرار حلّ التنظيم العسكري والأمني لهذا الحزب، ولما اتخذ رئيس الجمهورية قرار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
لكن، في المقابل، بقيت فجوة بين دولة الأقوال ودولة الأفعال، إذ كان الانطباع أن الدولة اللبنانية انتقلت من مرحلة كانت فيها تغطي المشروع الإيراني في لبنان، إلى مرحلة تؤكد فيها سيادتها وترفض التدخل الإيراني في قرارها الوطني، لكنها لم تنتقل إلى مرحلة تنفيذ قراراتها السيادية. وكان الانطباع أن الدولة لا تريد أن تقحم نفسها في صلب المواجهة القائمة، وأنها تراهن على أن يتولى الخارج إنهاء هذه المواجهة: إما عبر المسار الأميركي ـ الإيراني، وإما عبر استمرار المواجهة بين الجيش الإسرائيلي وبين الحزب الإيراني في لبنان.
وهذا كله مفهوم إلى أن نشر مستشار رئيس الجمهورية والكاتب السياسي جان عزيز مقاله في موقع Just Security في 16 أيلول، تحت عنوان “لا تدعوا اتفاق السلام يثبت صحة رواية حزب الله”، حيث تبنى بشكل كامل مطلب الثنائي الشيعي الإيراني في لبنان بأن الأولوية هي للانسحاب الإسرائيلي وليس لنزع السلاح الإيراني، والهدف من هذا المطلب استمرار السلاح الإيراني، كما حصل تمامًا على أثر حرب تموز 2006.
وتكرار المنطق نفسه اليوم سيؤدي حتمًا إلى النتيجة نفسها: الانسحاب الإسرائيلي يعني بقاء السلاح الإيراني. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل المطلوب إنهاء الأسباب التي سمحت بقيام السلاح خارج الدولة واستجلاب الدخول الإسرائيلي، أم إعادة إنتاج الظروف التي تسمح له بالبقاء؟
فإسرائيل لم تدخل إلى الأراضي اللبنانية لأن لديها أطماعًا في الجغرافيا اللبنانية، بل من استدعاها إلى الدخول هو “حزب الله”، وهنا نتكلم عن وقائع مثبتة وليس عن نوايا. ولا تستطيع الدولة اللبنانية أن تتعامل مع الانسحاب الإسرائيلي وكأنه قضية منفصلة عن مسؤوليتها في إنهاء السبب الذي تستند إليه إسرائيل لتبرير استمرار وجودها العسكري في لبنان.
المعادلة التي يحتاجها لبنان هي العكس تمامًا: نزع السلاح أولاً، وتثبيت سلطة الدولة أولاً، ثم استكمال الانسحاب الإسرائيلي ضمن مسار يضمن ألا يتحول الانسحاب إلى فرصة لإعادة بناء القوة العسكرية للحزب الإيراني.
أما جعل الانسحاب الإسرائيلي هو المدخل الأول، فيعني أن رئاسة الجمهورية تبنّت، عن قصد أو عن غير قصد، مطلب الثنائي الشيعي الإيراني من أجل بقاء سلاحه في لبنان، وانتقلت الدولة من تقاعسها في ممارسة دورها بنزع السلاح، ومن وقوفها على الحياد بين إسرائيل والحزب، إلى دور الدولة الأداة عند الحزب الإيراني.
إن انتقال الدولة من أولوية نزع السلاح إلى أولوية الانسحاب الإسرائيلي يطرح التساؤلات التالية: هل لا تزال الدولة تسير في اتجاه تنفيذ قراراتها السيادية، أم أنها بدأت تدخل مجددًا في منطق التسويات الذي أبقى سلاح “الحزب الإيراني” خارج سلطة الدولة طوال العقود الماضية؟ وهل يريد الرئيس جوزاف عون أن يكرر الخطأ نفسه الذي ارتكبه الرئيس فؤاد السنيورة عام 2006 بشعار الانسحاب الإسرائيلي أولاً؟ وما السبب الذي جعل عون ينتقل إلى تبنّي مطالب الثنائي ويستخدم الثقة التي أُعطيت له أميركياً من أجل تحقيق هدف إيران في لبنان؟
الجميع يدرك أن إسرائيل التي تمكّنت من هزيمة عدوها في لبنان لن تنسحب من أجل تمكينه من إعادة التقاط أنفاسه، لكن المسؤولية اليوم تقع على واشنطن التي منحت رئيس الجمهورية ثقتها، وبالتالي عليها أن تقول له بشكل واضح إن استمرار دعمها له مشروط بنزع سلاح الحزب الإيراني أولًا في لبنان، وهذا من مسؤولية الدولة التي يرأسها، لأن هذا السلاح كان السبب وراء دخول إسرائيل إلى لبنان، وهو السبب وراء استمرار لبنان منصةً، وإذا أراد تبنّي عنوان الانسحاب الإسرائيلي أولًا، فإنها ترفع يدها عنه، وتعلّق المفاوضات، وتجعله يتدبّر أمره وشؤونه، ويقبع شوكه مع إسرائيل بيده.
الطابة لدى الولايات المتحدة، وعليها تخيير رئيس الجمهورية بين استمرارية ثقتها به إذا حافظ على أولوية نزع سلاح الحزب الإيراني، أو سحب هذه الثقة بعدما تبنّى استراتيجية الثنائي الشيعي الإيراني في لبنان، وهذا التبنّي يحمّله مسؤولية استمرار الحرب.



