باسيل اكتشف إيران بعد عشرين عامًا من التفاهم

جبران باسيل وتفاهم مار مخايل بعد عشرين عامًا من التحالف السياسي وموقفه الجديد من النفوذ الإيراني في لبنان
وقف جبران باسيل في مجلس النواب ليقول جملة تختصر الكثير: “إيران تستخدمنا ساحة.”

الجملة صحيحة في معناها السياسي، لكنها تطرح سؤالًا أكبر من مضمونها: متى اكتشف باسيل ذلك؟

لأن إيران لم تدخل إلى المعادلة اللبنانية أمس، وحزب الله لم يرتبط بها الأسبوع الماضي، والسلاح لم يصبح جزءًا من نفوذ طهران في لبنان فجأة. كل ذلك كان قائمًا ومعروفًا عندما وُقّع تفاهم مار مخايل في 6 شباط 2006، وعندما أصبح التحالف بين التيار الوطني الحر وحزب الله أحد أعمدة الحياة السياسية اللبنانية طوال ما يقارب عشرين عامًا.

الأكثر مفارقة أن ميشال عون نفسه كان، قبل هذا التفاهم، من الذين حذّروا علنًا من “الفرس” ومن خطر ولاية الفقيه على لبنان. وبعد سنوات قليلة، تغيّر الخطاب تمامًا، وصار عون يقلّل من هذا الخطر ويدافع عن الحزب وسلاحه.

بين التحذير الأول والتبرير اللاحق، حصل التحوّل الكبير.

التفاهم الذي وُقّع عام 2006 لم يكن مجرد لقاء بين حزبين، بل تحالفًا سياسيًا طويل الأمد منح حزب الله غطاءً مسيحيًا وشرعية داخلية أوسع، وأدخله في صلب توازنات السلطة. وحتى التيار نفسه اعترف لاحقًا بأن تفاهم مار مخايل لم ينجح في مشروع بناء الدولة وسيادة القانون.

ومع ذلك، لم يتوقف الأمر عند ميشال عون.

جبران باسيل نفسه، عندما تولّى وزارة الخارجية، كان واحدًا من أبرز المدافعين عن الحزب في الخارج. وفي أكثر من محطة، دافع عن موقعه باعتباره مكوّنًا لبنانيًا أساسيًا، ورفض مقاربته كتنظيم إرهابي، وقدم موقفًا سياسيًا يحمي موقعه داخل المعادلة اللبنانية.

هذه ليست تفاصيل صغيرة.

هذا يعني أن باسيل لم يكن مجرد شاهد على مرحلة النفوذ الإيراني في لبنان، بل كان جزءًا من منظومة سياسية دافعت عن الحزب، وغطّت موقعه، وحاولت تقديم سلاحه وتحالفاته باعتبارها جزءًا من المعادلة اللبنانية الطبيعية.

واليوم، بعد كل ذلك، يقول باسيل: “إيران تستخدمنا ساحة.”

حسنًا.

إذا كانت إيران تستخدم لبنان ساحة اليوم، ماذا كانت تفعل طوال السنوات الماضية؟

إذا كان ارتباط الحزب بطهران خطرًا على سيادة لبنان اليوم، ألم يكن كذلك عندما كان التيار في ذروة تحالفه معه؟

وإذا كان استخدام لبنان كساحة إيرانية مرفوضًا اليوم، فلماذا كان مقبولًا سياسيًا طوال مرحلة كان فيها هذا التحالف يحقق مكاسب في السلطة والرئاسة والحكومة والبرلمان؟

المشكلة ليست في أن باسيل غيّر موقفه.

السياسي يحق له أن يراجع تجربته، بل المطلوب منه أن يفعل ذلك عندما تثبت الوقائع خطأ رهاناته.

المشكلة أن باسيل يريد أن يغيّر موقفه من دون أن يتحمّل مسؤولية الموقف السابق.

يريد أن يقول إن إيران تستخدم لبنان، من دون أن يقول إن التحالف الذي شارك فيه وفر لحليف إيران في لبنان غطاءً سياسيًا واسعًا.

ويريد أن ينتقد الحزب اليوم، من دون أن يعترف بأن تياره كان من أكثر القوى التي ساهمت في تطبيع فكرة وجود سلاح خارج الدولة.

ويريد أن يقدّم نفسه كمن اكتشف المشكلة متأخرًا، بدل أن يعترف بأنه كان جزءًا من البيئة السياسية التي سمحت لها بأن تكبر.

والأطرف أن باسيل، في الخطاب نفسه، حذّر من قطع العلاقة مع إيران ودعا إلى عدم إدخال لبنان في الصراع الخليجي-الإيراني.

وهنا يجب التمييز بوضوح.

لا أحد يطالب لبنان بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران لمجرد الخلاف معها.

المشكلة ليست في السفارة الإيرانية، ولا في العلاقة بين دولتين.

المشكلة تبدأ عندما تصبح دولة أجنبية صاحبة نفوذ على تنظيم مسلح داخل لبنان، وعندما يتحول هذا التنظيم إلى قوة عسكرية وسياسية موازية للدولة، وعندما يصبح قرار الحرب والسلم مرتبطًا بمعادلة تتجاوز المؤسسات اللبنانية.

إذا كان باسيل قد وصل اليوم إلى هذه الخلاصة، فليذهب بها حتى النهاية.

ليقل للبنانيين إن تجربة عشرين عامًا مع تفاهم مار مخايل فشلت ليس فقط في بناء الدولة، بل في منع تحول لبنان إلى ساحة صراع إقليمي.

وليقل إن الغطاء السياسي للسلاح كان خطأ.

وليقل إن العلاقة مع إيران يجب أن تكون علاقة دولة بدولة، لا علاقة دولة بتنظيم مسلح داخل دولة أخرى.

أما أن يقول اليوم “إيران تستخدمنا ساحة” وكأنه كان طوال هذه السنوات في صفوف المعترضين على ذلك، فهذه ليست مراجعة.

هذه محاولة لمغادرة السفينة بعد أن بدأ الجميع يرى إلى أين كانت تتجه.

قبل عشرين عامًا، كان ميشال عون يحذّر من “الفرس” وولاية الفقيه.

بعدها جاء تفاهم مار مخايل، وتحوّل التحذير إلى تحالف، والتحالف إلى غطاء، والغطاء إلى سنوات طويلة من الشراكة السياسية.

واليوم يأتي باسيل ليعلن اكتشافه الكبير:

إيران تستخدمنا ساحة.

صحيح يا جبران.

لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو:

أين كنتم طوال عشرين عامًا؟