بشير اغتيل قبل أن يتسلّم الدولة… والدولة ما زالت لم تتسلّم لبنان

بشير الجميل والدولة اللبنانية بعد 44 عامًا على اغتياله وأسئلة السيادة والسلاح وقرار الحرب والسلم

تمرّ أربعة وأربعون عامًا على اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل، ومع ذلك يبدو لبنان، في مسائل السيادة والدولة والسلاح وقرار الحرب والسلم، كأنه لم يبتعد كثيرًا عن الأسئلة التي كانت مطروحة عام 1982. تغيرت القوى، وتبدلت الوصايات والمحاور، وسقطت أسماء وصعدت أخرى، لكن المعضلة الأساسية بقيت: من يمسك لبنان فعلًا، الدولة أم من ينازعها سلطتها؟

اغتيل بشير في 14 أيلول قبل أن يدخل قصر بعبدا ويتسلّم صلاحياته رئيسًا للجمهورية. ولذلك، لا يستطيع أحد أن يعرف ماذا كان سيحدث لو عاش وحكم. من غير الجدي القول إن لبنان كان سيصبح بلا حروب ولا أزمات، كما لا يمكن تحويل التاريخ إلى فرضية رومانسية تقول إن رجلًا واحدًا كان سيحل كل مشكلات بلد ممزق بالتدخلات والاحتلالات والانقسامات. لكن ثمة سؤالًا مشروعًا لا يمكن الهروب منه: هل كان مسار لبنان خلال العقود الأربعة الماضية سيبقى نفسه لو نجح مشروع الدولة التي كان بشير يريد بناءها؟

المفارقة أن الرجل اغتيل قبل أن يتسلّم الدولة، فيما الدولة، بعد أربعة وأربعين عامًا، ما زالت هي الأخرى لم تتسلّم لبنان كاملًا.

بشير الذي وصل إلى الرئاسة بعد سنوات الحرب لم يكن يريد أن ينقل منطق الميليشيا إلى قصر بعبدا، بل كان يتحدث عن الانتقال من زمن التنظيمات إلى زمن الدولة، وعن جيش يمسك الأرض، ومؤسسات تمسك القرار، وسيادة لا تكون موزعة بين الداخل والخارج. وبعد انتخابه بدأ يتصرف على أساس أن رئيس الجمهورية لا يستطيع أن يكون رئيس حلفائه فقط، ولا ممثل الجهة التي أوصلته، بل رئيس لبنان. وهذه تحديدًا كانت النقلة الأصعب: أن يصبح الولاء للدولة أعلى من كل تحالف سبق الوصول إليها.

ثم جاء الاغتيال، وبدأ لبنان مسارًا آخر.

مرّت عليه الوصاية السورية، واستمر السلاح خارج الدولة، وتكررت الاغتيالات والحروب والفراغات والتسويات. خرج الجيش السوري عام 2005، لكن خروج الوصاية لم يؤدِّ إلى قيام الدولة صاحبة القرار الوحيد. بقي هناك سلاح لا يخضع لسلطتها، وقرار حرب وسلم لا تحتكره مؤسساتها، وارتباط سياسي وعسكري بمحور إقليمي يستطيع أن يضع لبنان في مواجهة لم تقررها حكومته.

وهكذا، بدل أن تُقفل ملفات الحرب الأهلية، عادت بأشكال مختلفة.

كان السؤال يومها كيف تستعيد الدولة سلاحها وقرارها، وما زال السؤال نفسه اليوم. كان المطلوب إخراج لبنان من حروب الآخرين، وما زال اللبنانيون يدفعون ثمن حروب الآخرين. كان المطلوب أن تصبح الحدود في عهدة الجيش، وما زلنا بعد أربعة وأربعين عامًا نناقش بديهية أن الجيش وحده يجب أن يكون المسؤول عن الأرض والحدود. وكان المطلوب أن يكون قرار الحرب والسلم قرار الدولة، فإذا بهذا العنوان يعود إلى الواجهة بعد كل حرب وكأنه يُطرح للمرة الأولى.

لهذا، لا تحتاج ذكرى بشير هذه السنة إلى خطاب إضافي عن الماضي بقدر ما تحتاج إلى محاكمة الحاضر.

ماذا تغيّر فعلًا؟

لبنان خاض حروبًا جديدة، ودُمّرت قرى، وتهجّر أهل، وسقط قتلى، وخسر اقتصاده ومدخرات أبنائه وهاجر مئات الآلاف، فيما بقيت الدولة عاجزة في محطات أساسية عن تقرير متى يدخل البلد الحرب ومتى يخرج منها. تغيّرت الذرائع، لكن النتيجة بقيت واحدة: اللبناني يدفع ثمن قرار أكبر منه، والدولة تصل بعد وقوع الكارثة لتبحث في كيفية لملمة النتائج.

وهنا يصبح السؤال عن بشير أكثر من مجرد “ماذا لو عاش؟”.

ربما كان سيصطدم بقوى داخلية وخارجية هائلة. وربما كان سيواجه محاولات لإسقاط مشروعه، وربما كان سيخطئ ويصيب. لكن الفارق أن المشروع نفسه كان واضحًا: دولة فوق الجميع، لا دولة إلى جانبها دول صغيرة، ولا جيش إلى جانبه جيوش، ولا سياسة خارجية للدولة وأخرى لتنظيم مسلح، ولا قرار لبناني ينتظر الإذن من عاصمة أخرى.

وهذه ليست أفكارًا “بشيرية” بالمعنى الحزبي الضيق. هذه شروط وجود أي دولة طبيعية.

بعد أربعة وأربعين عامًا، لا يزال لبنان يحاول الوصول إليها.

لذلك، عندما يُقال اليوم إن تسليم السلاح للدولة يحتاج إلى حوار طويل، أو إلى ضمانات، أو إلى تسويات جديدة، يصبح من المشروع السؤال: كم عقدًا إضافيًا يحتاج اللبنانيون لكي يتفقوا على أمر بديهي؟ وهل يُطلب من الدولة أن تفاوض إلى ما لا نهاية على حق هو أصل وجودها؟

الدولة لا تستأذن أحدًا كي تكون دولة.

لا تفاوض تنظيمًا على حق الجيش في احتكار السلاح. ولا تقبل أن يكون هناك قرار أمني وعسكري موازٍ لقرارها. ولا تكون سيادتها موسمية، تُرفع شعارًا عندما يناسب فريقًا وتُعلّق عندما تتعارض مع مصالحه أو ارتباطاته.

ربما كان اغتيال بشير اغتيال رجل، لكنه كان أيضًا قطعًا لمسار لم نعرف ماذا كان يمكن أن ينتج لو أُتيح له أن يكتمل. وما نعرفه يقينًا هو نتيجة المسار الذي جاء بعده: أربعة وأربعون عامًا وما زال لبنان يناقش كيفية بناء الدولة التي كان يفترض أن تكون قد حُسمت منذ زمن.

ولهذا، لا يكون الوفاء لبشير في 14 أيلول بتكرار خطبه نفسها، ولا بتعليق صوره، ولا باستعادة شعاراته للمرة الرابعة والأربعين. الوفاء الحقيقي يكون عندما لا يعود اللبناني مضطرًا أصلًا إلى طرح الأسئلة التي طرحها جيله.

من يحمل السلاح؟
الدولة.

من يقرر الحرب؟
الدولة.

من يحمي الحدود؟
الجيش.

ومن يتحدث باسم لبنان؟
مؤسساته الشرعية.

عندها فقط يمكن القول إن صفحة الحرب أُقفلت فعلًا.
بشير اغتيل قبل أن يتسلّم الدولة. والمأساة أن الدولة، بعد أربعة وأربعين عامًا، ما زالت تحاول أن تتسلّم لبنان.