هرطقة إسقاط الحكومة ومحاولة غسل خمسة عشر عامًا

إسقاط الحكومة وجبران باسيل ومحاولة مواجهة قرارات حصر السلاح بيد الدولة وغسل خمسة عشر عامًا من المسؤولية

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن «إسقاط الحكومة» من داخل مجلس النواب، وكأن هناك قدرة نيابية فعلية على إسقاطها. لكن، عند وضع الأمور في نصابها، يتبيّن أن هذا الكلام لا يعدو كونه هرطقة سياسية، لأن من يملك الرغبة في إسقاط الحكومة لا يملك القدرة على إسقاطها.

فمن يريد إسقاط الحكومة اليوم هو، في الدرجة الأولى، الحزب الإيراني في لبنان، لأن الحكومة اتخذت قرارات واضحة تتصل بحصر السلاح بيد الدولة وحل التنظيم العسكري والأمني للحزب الإيراني. وهذه القرارات هي جوهر الصراع القائم، وبالتالي فإن محاولة إسقاط الحكومة ليست سوى محاولة لإسقاط القرارات التي اتخذتها الدولة.

أما الطرف الثاني الذي يرفع شعار إسقاط الحكومة، فهو جبران باسيل بسبب عدم دخوله الحكومة ولكونه لا يستطيع أن يكون خارج السلطة. وهو يحاول، من خلال التصعيد السياسي، أن يغطي على خمسة عشر عامًا كان خلالها في صلب السلطة، مع أكثرية وزارية، ورئيس جمهورية، ورئيس حكومة، وكانت كل الظروف السياسية متاحة أمامه لتحقيق ما كان يريده.

وماذا كانت الحصيلة؟ البواخر. ومن حق اللبنانيين أن يسألوا بعد خمسة عشر عامًا من النفوذ والوزارات والرئاسات والتحالفات، ماذا بقي من هذا العهد السياسي سوى الأزمات التي دفع اللبنانيون ثمنها؟

والأهم أن باسيل لا يستطيع أن يتصرف وكأن ذاكرة اللبنانيين قصيرة. فمن من اللبنانيين نسي المعادلة التي حكمت مرحلة طويلة من الحياة السياسية اللبنانية: الحزب الإيراني يعطي باسيل السلطة، وباسيل يغطي سلاح الحزب الإيراني.

كانت تلك المعادلة واضحة، ومفاعيلها كانت واضحة أيضًا. سلطة مقابل تغطية، ونفوذ مقابل حماية السلاح، وشراكة في السلطة مقابل غضّ النظر عن مشروع الحزب الإيراني ودوره خارج الدولة.

واليوم، بعدما بدأت الدولة اللبنانية تضع مسألة السلاح غير الشرعي على طاولة المعالجة الجدية، وبعدما أصبح حصر السلاح بيد الدولة وحل التنظيم العسكري والأمني للحزب الإيراني قرارًا رسميًا، يحاول البعض قلب المشهد، وتحويل المعركة من معركة قيام الدولة إلى معركة إسقاط الحكومة.

وهنا تحديدًا تكمن الهرطقة. إسقاط الحكومة يحتاج إلى أكثرية نيابية قادرة على إنتاج بديل، وهي غير متوفرة. أما أن يرفع من لا يملك هذه القدرة شعار إسقاط الحكومة، فهو محاولة لرفع مستوى الضجيج والتغطية على أصل المشكلة.

وأصل المشكلة اليوم ليس الحكومة، بل السلاح خارج الدولة. وليس السؤال كيف تُسقط الحكومة، بل هل يستطيع لبنان أن يتراجع عن قرار حصر السلاح بيد الدولة؟ وهل يستطيع أن يعود إلى المعادلة القديمة التي جعلت من الدولة غطاءً لمشروع خارج الدولة؟

ثم إن محاولة إسقاط الحكومة، بالنسبة إلى باسيل تحديدًا، لا يمكن فصلها عن محاولة إسقاط الذاكرة أيضًا. فمن الصعب أن يقدم نفسه اليوم كأنه يقف خارج منظومة السلطة التي كان أحد أبرز أركانها طوال خمسة عشر عامًا، أو كأنه لم يكن شريكًا أساسيًا في المعادلة التي أبقت سلاح الحزب الإيراني خارج سلطة الدولة.

اللبنانيون لا يحتاجون إلى من يذكّرهم بمن كان في السلطة، ومن كان يملك القرار، ومن كان يغطي من.

لقد تغيرت المعادلة. والمطلوب اليوم ليس العودة إلى تقاسم السلطة بين من يمنح السلطة ومن يحمي السلاح، بل الانتقال إلى دولة واحدة، وجيش واحد، وسلاح واحد.

لذلك، فإن كل هذا الضجيج حول «إسقاط الحكومة» لن يغيّر جوهر المسألة: هناك قرار اتخذته الدولة بحصر السلاح بيدها، وهناك من يريد إسقاط هذا القرار قبل أن يسقط الحكومة.

أما محاولة غسل خمسة عشر عامًا من المسؤولية، فلن تنجح أيضًا. فالذاكرة اللبنانية أطول من أن تُمحى بشعار، وأوضح من أن تُغطّى بمزايدة نيابية.