قواعد الاشتباك الثلاث: كيف سقط لبنان وكيف فُتحت أمامه فرصة الخلاص؟

شارل جبّور
لو كانت الدولة اللبنانية دولة قوية وقادرة، لما سمحت أصلًا بقيام ثورة فلسطينية من أرضها تستهدف إسرائيل، وهو الأمر الذي لم تسمح به أي دولة عربية أخرى. وبالتالي، فإن المسؤولية الأولى تقع على الدولة اللبنانية التي لم تمنع سلاحًا غير لبناني من استخدام أرضها كمنصة عسكرية ضد إسرائيل.
فلولا الثورة الفلسطينية التي استخدمت لبنان منصةً لعملياتها، لما استهدفت إسرائيل لبنان. وهذه هي الوقائع السياسية الفعلية، بعيدًا من الأيديولوجيا البالية والعقائد العقيمة والكذب والتزوير والنفاق.
سقطت الدولة اللبنانية بالسلاح الفلسطيني أولًا، وترسخت قواعد اشتباك، وتحول لبنان إلى “فتح لاند”. وأصبحت هناك قواعد اشتباك بين إسرائيل والفلسطينيين على الأرض اللبنانية، في ظل دولة لبنانية مشلولة وغير موجودة فعليًا.
واستمرت هذه المعادلة من منتصف ستينات القرن الماضي حتى العام 1982، عندما قررت إسرائيل إزالة قواعد الاشتباك القائمة، فاجتاحت لبنان وأخرجت السلاح الفلسطيني منه. ولولا هذا التدخل الإسرائيلي، لكان لبنان بقي في الحقبة الأولى نفسها التي بدأت منذ منتصف الستينات.
لكن لا بد من القول هنا إن المصالحة بين اللبنانيين السياديين والفلسطينيين قد تمت، وتحديدًا مع السلطة الفلسطينية الشرعية الممثلة بالرئيس محمود عباس “أبو مازن”، الذي يستحق كل التحية على جهوده وعلاقاته وعلى المساهمة في طي صفحة الماضي الأليمة.
ثم تحول لبنان إلى “أسد لاند” نتيجة هشاشة الدولة اللبنانية، وكان حافظ الأسد المساهم الأساسي في الإمساك بالورقة الفلسطينية والورقة اللبنانية، والمسبب الرئيسي لسقوط الدولة اللبنانية. واستمرت قواعد الاشتباك بعد العام 1982 بين حافظ الأسد وإسرائيل حتى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في العام 2000.
ولو لم تخرج إسرائيل من لبنان عام 2000 من تلقاء نفسها، لبقي لبنان مساحة تقاسم بين إسرائيل والنظام الأسدي، ولما كان بالإمكان إخراج الجيش السوري من لبنان طالما أن الإسرائيلي موجود فيه.
لقد وجّه إيهود باراك وإسرائيل صفعة إلى حافظ الأسد بالخروج من لبنان، لأن الانسحاب الإسرائيلي فتح الباب أمام دينامية لبنانية أدت إلى إخراج الجيش السوري. ولولا أن إسرائيل قررت، للمرة الثانية، كسر قواعد الاشتباك مع الأسد، لكان الجيش الأسدي ربما بقي في لبنان حتى اليوم.
وبعد خروج الجيش السوري، انتقل الصراع إلى إيران الخامنئية وأتباعها وأزلامها وحزبها في لبنان. وأُرسي أيضًا مع هذه الجماعة نظام جديد من قواعد الاشتباك، في ظل دولة لبنانية مغيّبة ومشلولة، ودولة شكلية وسطحية لا تملك قرار الحرب والسلم.
ولولا القرار الإسرائيلي بإزالة قواعد الاشتباك مع “حزب إيران” في لبنان، بعد أن كسر هو هذه القواعد في 8 تشرين الأول 2023 بإعلان الحرب ضدها، لكان لبنان لا يزال اليوم خاضعًا للمشروع الإيراني من خلال حزبه المسلح.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في تاريخ لبنان الحديث: لولا إسرائيل وإزالتها قواعد الاشتباك المتعاقبة، الفلسطينية والأسدية والإيرانية، لكان لبنان اليوم لا يزال في المربع الأول. صحيح أن إسرائيل ساهمت في إزالة هذه المشاريع الإقليمية الثلاثة انطلاقًا من مصالحها وأولوياتها، وهذا أمر لا جدال فيه. لكن النتيجة العملية بالنسبة إلى لبنان كانت واحدة: فتح الطريق أمام استعادة استقلاله وسيادته وقراره الوطني.
اليوم، وبعد أن وصل “حزب إيران” إلى أضعف لحظاته منذ تأسيسه، وبعد أن كشفت الحرب الأخيرة حقيقة قوته المزعومة، وأسقطت إسرائيل وهم صورة القوة التي كان يدّعي أنها لا تُقهر، وأثبتت هزيمته المذلة، حان الوقت لكي
تتحمل الدولة اللبنانية مسؤوليتها كاملة.
المسؤولية الأولى هي إزالة كل بقايا المشروع الإيراني في لبنان. فما لم تفعل الدولة ذلك، سيبقى لبنان مساحة للفوضى، وستبقى إسرائيل تجد في استمرار السلاح خارج الدولة ذريعة أمنية وعسكرية للتدخل.
إسرائيل قررت إزالة قواعد الاشتباك، وفعلت ما فعلته، وحققت أمنها. أما الدولة اللبنانية، فلا يجوز أن تبقى متفرجة على نتائج ما جرى، ولا أن تنتظر من إسرائيل أن تقوم بالنيابة عنها بما يفترض أن تقوم به هي.
والمسؤولية الثانية لا تقل أهمية: من غير المقبول أن ينشأ في لبنان، في أي وقت، مشروع إقليمي جديد يستوطن أرضه ويستخدمها منصة عسكرية وأمنية لصراع لا علاقة للبنانيين به.
لقد أثبتت التجربة أن استخدام لبنان منصة لا يحصر الحرب في الداخل اللبناني، بل ينقلها إلى إسرائيل ويحوّل لبنان إلى ساحة اضطراب إقليمي، ويعيد إنتاج الحلقة نفسها التي عاشها منذ منتصف ستينات القرن الماضي.
لذلك، لا يكفي أن تستعيد الدولة اللبنانية سلاحها من المشروع الإيراني الحالي، بل المطلوب أن تمنع تكرار التجربة مع أي مشروع إقليمي آخر. وهذا يستدعي التفكير جديًا في آلية لحماية الدولة اللبنانية وسيادتها، لأن الوقائع أثبتت أن الدولة اللبنانية، بصيغتها الحالية، لم تكن قادرة على حماية حدودها وقرارها ومنع القوى الخارجية من استخدام أراضيها.
المطلوب دولة تسيطر فعليًا على البر والمعابر الحدودية البرية والجوية والبحرية، مع رقابة دولية جدية تساعدها على منع أي مشروع خارجي من الاستيطان في لبنان وتحويله مجددًا إلى منصة.
المطلوب، باختصار، سيادة لبنانية محمية، ودولة مركزية قادرة، ونظام سياسي يمنع تكرار تجربة الدولة العاجزة التي سمحت، على مدى عقود، بتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للمشاريع الإقليمية.
فالمشكلة لم تكن يومًا في اسم المشروع الذي يستخدم لبنان منصة: فلسطينيًا كان أم أسديًا أم إيرانيًا. المشكلة كانت، ولا تزال، في دولة فاشلة لا تمنع أحدًا من استخدام أرضها. وبالتالي، فإن المشكلة الفعلية والجوهرية والأساسية تكمن في الدولة اللبنانية نفسها، وهذا ما يتطلب حوارًا وعلاجًا. لأنه لو لم تسمح الدولة، منذ اللحظة الأولى، بمشروع إقليمي مسلح على أرضها، لما سقطت اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، ولما سقطت الدولة اللبنانية من الداخل.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب طرحه بعد إزالة إسرائيل للمشروع الإقليمي الأخير الذي استوطن لبنان هو: كيف ستمنع الدولة اللبنانية أي مشروع إقليمي رابع من أن يطل برأسه بعد سنوات أو عقود؟ وهل هذه مسؤولية لبنان وحده، أم أن على المجتمع الدولي أن يبقى ساهرًا، لا لنقول وصيًا على لبنان، بل شريكًا في حماية سيادته، لمنع تسلل مشروع حرب رابع إلى أرضه؟
وأخيرًا، ما النظام السياسي الذي يجب اعتماده حتمًا وقطعًا لقطع الطريق أمام تحويل كل لبنان إلى مساحة فوضى وحرب؟
هذه الأسئلة تشكل جوهر المعركة المقبلة: كيف نمنع تكرار التاريخ، وكيف ننتقل نهائيًا من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة؟
وما يجب التشديد عليه أن لبنان لا يحتاج فقط إلى إزالة المشروع الإقليمي الثالث الذي استوطن أرضه، وقد أسقطت إسرائيل هذا المشروع، بل يحتاج قبل كل شيء إلى ضمان ألا يولد مشروع إقليمي رابع.



