لا أحد يستطيع حماية النبطية وأهلها سوى أهلها

حماية النبطية وأهلها ومنع استخدام المدينة وبلداتها لأغراض عسكرية
شارل جبّور

لا أحد باستطاعته أن يحفظ أمن النبطية وأهلها، ولا أحد باستطاعته أن يوفر الأمن والأمان لمدينة النبطية وبلداتها، ولا أحد يستطيع أن يبقي أهلها في أرضهم، ولا أحد يستطيع أن يوقف تمدّد التدمير إليها وإلى بلداتها، سوى أهل النبطية أنفسهم، وفقط لا غير.

هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة أمام أبناء النبطية، بعيدًا من كل الروايات والتبريرات والحكايات التي تحاول إبعاد الأنظار عن أصل المشكلة. فأهل البلدات السنية والدرزية والمسيحية في الجنوب، حين رفضوا أن تتحول بلداتهم وشوارعهم وأحياؤهم إلى منصات لإطلاق الصواريخ، وحين تصدّوا لمن أراد استخدام مناطقهم عسكريًا، حموا بلداتهم إلى حد كبير من المصير الذي حلّ ببلدات أخرى. لم يكن الأمر سحرًا، ولم يكن التدمير عشوائيًا أو منهجيًا، بل كان نتيجة مباشرة لاستخدام بعض البلدات والأحياء في أعمال عسكرية.

وهذا تحديدًا ما ينبغي أن يدركه أهل النبطية. التدمير لا يحصل لأن هناك قرارًا مسبقًا بتدمير النبطية لمجرد أنها النبطية. التدمير يأتي عندما تُستخدم المدينة وبلداتها وشوارعها وأحياؤها لأغراض إيرانية عسكرية، وعندما تتحول منازل الناس إلى دروع، ومناطقهم إلى منصات، ومدنهم إلى ساحات مواجهة.

والمسؤول الأول عن هذه المأساة هو الحزب الإيراني الذي لا يكترث بالناس، ولا بذكرياتهم، ولا بتاريخهم، ولا بعمرانهم، ولا بمنازلهم، ولا بشوارعهم، ولا بمستقبلهم. همه الأول والأخير الحفاظ على دور إيران ومشروعها في لبنان، ولو كان الثمن دماء اللبنانيين وبيوتهم وبلداتهم. هذا الحزب الذي كان يدّعي أنه يمثل هؤلاء الناس، هو نفسه الذي يدفع بهم اليوم إلى النزوح، ويعرّض منازلهم للتدمير، ويضع مدنهم وقراهم أمام الخطر. فهل هناك من مفارقة أكبر من أن يدّعي حزب أنه يحمي الناس، فيما يصبح وجوده في مناطقهم سببًا في تعريضهم للخطر؟
أهل النبطية أمام حقيقة لا يجوز الالتفاف عليها: حماية النبطية تبدأ بمنع استخدام النبطية عسكريًا. وحماية البيوت تبدأ بإبعاد السلاح عنها. وحماية الناس تبدأ بمنع أي تنظيم مسلح من تحويل مدينتهم إلى ساحة حرب. إن المدخل الوحيد إلى حماية ما تبقى من النبطية، والحفاظ على مدينتها وبلداتها وذكرياتها وتاريخها وعمرانها وأهلها، هو إخراج الحزب الإيراني منها ومنع استخدام أراضيها وشوارعها وأحيائها لأغراضه العسكرية.

الحزب الإيراني هُزم وانكسر وخسر، لكنه لا يزال مستعدًا لأن يدفع اللبنانيون ثمن هزيمته. ولا يبدو أن الكلفة التي يدفعها أبناء الجنوب تعنيه، ولا البيوت التي تُدمّر، ولا العائلات التي تُهجّر، ولا الذكريات التي تُمحى. والرسالة التي ينبغي أن تصل إليه من أهل النبطية يجب أن تكون واضحة وبسيطة: اخرج من مدينتنا، لأننا نريد أن نحافظ عليها.

لم يعد هناك ما هو أغلى من الأرواح، ومن البيوت التي بناها أهلها بعرق جبينهم، ومن الشوارع التي تحمل ذكريات أجيال، ومن المدن والقرى التي ليست مجرد حجارة، بل تاريخ وحياة وذاكرة ونستالجيا. وأمام أهل النبطية خياران لا ثالث لهما، ولا يجوز لأحد أن يكذب عليهم أو يبيعهم الأوهام:

إما أن يحافظوا على النبطية بمنع الحزب الإيراني من استخدامها عسكريًا وإخراجه منها، وإما أن تتكرر فيها مأساة البلدات التي دُمّرت بعدما تحولت إلى ساحات عسكرية.
القرار عند أهل النبطية، والقرار بأيديهم. واجهوا هذا الحزب، قولوا له: اخرج من مدينتنا. فالنبطية ليست ملك إيران، وليست ملك حزبها في لبنان، وليست ورقة في مشروع إيران الإقليمي. النبطية لأهلها، وبيوتها لأهلها، وشوارعها وذكرياتها وتاريخها لأهلها.

وإذا كان لا بد من معركة اليوم، فلتكن معركة الحفاظ على النبطية قبل فوات الأوان. فمن يريد حماية النبطية، عليه أولًا أن يمنع من يستخدمها ساحة حرب. ومن يريد أن يبقى أهلها فيها، عليه أن يمنع من يعرّضهم للتهجير. ومن يريد إنقاذ ما تبقى منها، عليه أن يطرد منها كل من يجعلها هدفًا عسكريًا.
النبطية أمام امتحان مصيري، والقرار، في نهاية المطاف، لأهلها.