يا بعريني… أين “الدعسة الناقصة”؟

وليد البعريني والجدل حول وصف كلام سمير جعجع بالدعسة الناقصة

وصف النائب وليد البعريني كلام رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بأنه “دعسة ناقصة”، وقال إن التوقيت غير مناسب، وإن المرحلة تحتاج إلى التكاتف لا إلى الانتقاد، قبل أن يضيف بلهجة هجومية: “ما أحلى التنظير والتفلسف على الآخرين”.

جميل.

لكن قبل الكلام عن “التنظير”، من المفيد العودة إلى كلام البعريني نفسه.
هو قال إن “الكلمة يجب أن تكون للدولة”، وانتقد من يعتبرون أن الأولوية لما يقررونه هم، لا لما يقرره الوطن.
وقال أيضًا إن البلد متضرر ومهزوم، وإنه يجب الكف عن المكابرة بـ“الانتصارات الوهمية”، وإن هناك جرحًا كبيرًا يجب وضع حد له، وإن السلاح يجب أن يُسلَّم، وأن يعود الجميع تحت سقف الوطن.

ممتاز.

فأين الخلاف مع جعجع إذًا؟
هل جعجع قال غير ذلك؟
هل طالب بأكثر من أن تكون الكلمة للدولة؟
هل دعا إلى أكثر من حصر السلاح والقرار بالمؤسسات؟
هل طلب غير أن تتوقف الدولة عن إصدار قرارات تبقى معلقة، وأن تتحول من الكلام إلى التنفيذ؟
إذا كان البعريني مقتنعًا بأن السلاح يجب أن يُسلَّم، وأن القرار يجب أن يكون للدولة، وأن “الانتصارات الوهمية” يجب أن تنتهي، فالمشكلة ليست في مضمون كلام جعجع.

المشكلة، بحسب البعريني، هي في التوقيت.

وهنا السؤال:
متى يصبح توقيت قول الحقيقة مناسبًا؟
بعد حرب جديدة؟
بعد تدمير قرى إضافية؟
بعد مزيد من النزوح؟
بعد أن تضيع فرصة قيام الدولة؟
أم بعد أن يصبح تنفيذ القرارات مستحيلًا؟
لبنان لم يصل إلى ما وصل إليه لأن السياسيين قالوا الحقيقة في توقيت خاطئ، بل لأنه أمضى عقودًا يسمع العبارة نفسها:

ليس الآن.

ليس الآن وقت السلاح.
ليس الآن وقت تطبيق الدستور.
ليس الآن وقت مواجهة الخلل.
ليس الآن وقت تحميل المسؤوليات.
وفي كل مرة، كان “ليس الآن” يعني تأجيل المشكلة حتى تصبح أكبر.

البعريني يقول إنه إذا أخطأ رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، فالواجب الوقوف إلى جانبهما ومساعدتهما على تصحيح الخطأ، لا زيادة الخطأ.
وهذا بالضبط ما فعله جعجع.
لم يطالب بإسقاط العهد.
ولم يطالب بإسقاط الحكومة.
ولم يدعُ إلى الفوضى.

قال إن هناك خطوات صحيحة يجب استكمالها، وإن هناك أخطاء يجب تصحيحها، وإن القرارات يجب أن تصبح أفعالًا.
فهل أصبح تنبيه المسؤول إلى الخطأ “دعسة ناقصة”؟
وهل أصبح الطلب منه تنفيذ ما قرره “تفلسفًا”؟
إذا كانت السلطة مسؤولية، فالمسؤول لا يحتاج إلى من يصفق له عندما يصيب ويصمت عندما يخطئ. يحتاج إلى من يقول له إن هذا القرار صحيح، وهذا القرار ناقص، وهذه الخطوة يجب أن تُستكمل.
أما تحويل النقد إلى خطر على الوحدة الوطنية، فهو الطريق الأقصر إلى دولة لا يُحاسب فيها أحد.
والأغرب أن البعريني نفسه يقول اليوم ما يقوله جعجع في جوهر القضية: السلاح يجب أن يُسلَّم، والكلمة يجب أن تكون للدولة.
فبدل أن يسأل جعجع لماذا قال ذلك الآن، الأجدى أن يسأل من لم يسلّم سلاحه حتى الآن:

لماذا لم تفعل؟

وبدل أن يعتبر مطالبة الدولة بتنفيذ قراراتها “تفلسفًا”، الأجدى أن يطالب هو أيضًا بتنفيذها.
لأن “الدعسة الناقصة” ليست أن تقول للمسؤول الحقيقة.
الدعسة الناقصة هي أن تقول إن السلاح يجب أن يُسلَّم، ثم تهاجم من يطالب بتسليمه.
وإذا كان البعريني فعلًا مع الدولة، كما يقول، فليكن الخلاف على طريقة الوصول إليها، لا على حق أحد في المطالبة بها.

أما الحقيقة، فلا توقيت خاطئًا لها.