أين بري من سقوط علي الطاهر؟

لم يكن رئيس مجلس النواب نبيه بري بعيدًا عن ملف علي الطاهر قبل سقوطها. كان يعرف حساسية الموقع، وكان حاضرًا في الاتصالات التي دارت حوله، وطُرحت من خلاله صيغة تقضي بأن يتسلّم الجيش اللبناني التلال في إطار معالجة تتيح تثبيت سلطة الدولة وتعزيز موقع لبنان في أي تفاوض لاحق.
لكن الحزب رفض.
رفض أن يسلّم علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، لأن الموقع يقع شمال الليطاني، ولأن فتح هذا الباب كان سيعني عمليًا بدء انتقال القرار الأمني والعسكري إلى الدولة في منطقة يتمسّك الحزب ببقاء سلاحه فيها.
ثم حصل ما كان يُخشى منه: لم تدخل الدولة إلى علي الطاهر، ودخلت إسرائيل.
وهنا يصبح السؤال موجّهًا مباشرة إلى بري: أين أنت اليوم؟
قبل السقوط، كنت تعرف أن الحل هو الجيش. وبعد رفض الحزب، لم نسمع موقفًا يوازي خطورة الرفض. وبعد سقوط الموقع بيد إسرائيل، لم نسمع حتى الآن موقفًا علنيًا واضحًا يسأل الحزب لماذا منع الجيش اللبناني من تسلّم أرض لبنانية انتهت لاحقًا تحت السيطرة الإسرائيلية.
المفارقة أكبر لأن بري نفسه أعلن أن الجنوب جزء لا يتجزأ من الدولة اللبنانية، وأن أمنه والدفاع عنه يقعان على عاتق المؤسسات العسكرية والدستورية الرسمية.
ممتاز.
وعلي الطاهر أرض لبنانية.
فلماذا لم يكن هذا المبدأ نافذًا عليها؟
إذا كان الجيش هو المسؤول عن أمن الجنوب والدفاع عنه، فلماذا بقي الحزب في موقع الجيش؟ وإذا كان بري مقتنعًا بأن المؤسسة العسكرية هي صاحبة الحق في الانتشار، فلماذا لم يقل “الأخ الأكبر” لحليفه بوضوح: سلّم علي الطاهر للجيش؟
المسألة هنا ليست تفصيلًا عسكريًا، بل اختبار سياسي.
بري أمضى سنوات في تقديم نفسه على أنه صلة الوصل بين الحزب والدولة، وبين الداخل والخارج، والرجل القادر على تدوير الزوايا عندما تصل الملفات إلى الحائط. لكن في علي الطاهر لم تكن هناك زاوية تحتاج إلى تدوير. كان هناك خياران واضحان: الجيش اللبناني أو بقاء الموقع خارج الدولة.
اختار الحزب الثاني.
ثم انتهى الموقع إلى إسرائيل.
فأين أصبحت التسوية؟
وأين أصبح دور بري؟
وأين أصبحت مقولة إن الجنوب للدولة؟
لا يكفي أن يكون رئيس مجلس النواب مقتنعًا نظريًا بأن الجيش هو المرجعية، فيما حليفه المسلح يمنع هذه المرجعية من ممارسة دورها على الأرض. ولا يكفي أن يقال إن الجيش خط أحمر إذا كان الحزب يستطيع أن يرسم خطوطًا أخرى تمنع الجيش من تسلّم موقع لبناني حتى يصبح هذا الموقع بيد إسرائيل.
والأخطر أن ما حصل في علي الطاهر ليس حادثة منفصلة عن ملف السلاح، بل صورة مصغّرة عنه.
الدولة تطلب حصرية السلاح، والحزب يرفض. الجيش جاهز لتحمّل المسؤولية، والحزب يتمسّك بسلاحه. ثم تأتي إسرائيل فتدمر المواقع وتفرض الوقائع، فيما تبقى الدولة مطالبة بتحمل النتائج.
وهنا على بري أن يختار.
لا يستطيع أن يقول إن الجنوب للدولة، ثم يغطّي بقاء قرار عسكري خارجها.
ولا يستطيع أن يقول إن الجيش هو المسؤول عن الدفاع، ثم يصمت عندما يرفض حليفه تسليم الجيش موقعًا لبنانيًا.
ولا يستطيع أن يبقى في منتصف الطريق بين الدولة والدويلة كلما أصبحت الخيارات جدية.
علي الطاهر سقطت، لكن السؤال بقي واقفًا في عين التينة:
هل نبيه بري مع أن يتسلّم الجيش اللبناني الأرض والسلاح والقرار، أم مع أن يبقى الحزب ممسكًا بها حتى تسقط الواحدة تلو الأخرى؟
لأن المطلوب اليوم ليس وساطة جديدة.
المطلوب موقف.
وإذا كان بري فعلًا مع الدولة، فليقلها للحزب من دون مواربة: سلّم سلاحك للجيش قبل أن تخسر ما تبقّى من الأرض والسلاح معًا.



