الدولة اللبنانية لا تستطيع التبرؤ من مسؤوليتها

شارل جبّور
صحيح أن الدولة اللبنانية لم تعد تغطي “حزب الله” بوصفه تنظيمًا إيرانيًا يستخدم عنوان “المقاومة” لتبرير أعمال عسكرية تنفّذ أجندة إيران التوسعية. وصحيح أيضًا أن الدولة انتقلت، ولو متأخرة، من موقع التغطية السياسية والأمنية لواقع انقلابي على الدستور والدولة، إلى موقف يؤكد حصرية السلاح وضرورة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. لكن هذا التطور، على أهميته، لا يعفي الدولة اللبنانية من مسؤوليتها الأساسية والتاريخية: لا يحق لأي تنظيم، تحت أي عنوان أو ذريعة، أن يستخدم الأراضي اللبنانية لتنفيذ أعمال عسكرية أو أمنية ضد دولة أخرى.
المسألة لا تبدأ من إسرائيل، ولا من إيران، ولا من أي دولة أخرى. المسألة تبدأ من لبنان نفسه، ومن حقه الحصري في تقرير ما يجري على أرضه. فإذا كان هناك تنظيم مسلّح موجود داخل دولة ما ويستخدم أراضيها لاستهداف دولة أخرى، فإن مسؤولية الدولة التي ينطلق منها هذا الاستهداف واضحة: منع استخدام أراضيها لهذا الغرض، وفرض سيادتها على التنظيم الذي يتجاوز سلطتها.
لا توجد دولة في العالم يمكنها أن تقول إن ما يخرج من أراضيها لا يعنيها. الأرض أرض الدولة، والسيادة سيادتها، والمسؤولية مسؤوليتها. ومحاولة تصوير ما يحصل على أنه مجرد مواجهة بين “حزب الله” وإسرائيل هي، في الواقع، تبرؤ من المسؤولية اللبنانية. ليست المسألة أن الحزب الإيراني يقاتل إسرائيل، فيما تقف الدولة اللبنانية على الحياد. المسألة أن تنظيمًا مسلّحًا يستخدم الأراضي اللبنانية لتنفيذ أعمال عسكرية ضد دولة أخرى، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الدولة صديقة أم عدوة. وهذه، في الأساس، مسألة تتعلق بالسيادة اللبنانية قبل أن تكون مسألة تتعلق بالعلاقة مع إسرائيل.
فالدولة اللبنانية مسؤولة عن منع أي أعمال عسكرية أو تخريبية أو إرهابية من الانطلاق من أراضيها. وهذه من أبسط مقتضيات قيام الدولة وسيادتها ومسؤوليتها عن أراضيها. والقول، مثلاً، إن “إسرائيل هي التي تضرب لبنان” من دون التذكير بأن هناك تنظيمًا يستخدم لبنان منصة عسكرية، هو قلب للوقائع وتضييع للمسؤوليات. كما أن القول إن الدولة لا علاقة لها بما يقوم به الحزب الإيراني، لأن الحزب لا يمثلها، لا يعفيها من واجبها في عدم السماح باستخدام أراضيها.
صحيح أن الدولة اللبنانية انتقلت من مرحلة كانت فيها تغطي هذا الواقع، أو تغضّ النظر عنه، أو تتعامل معه باعتباره أمرًا واقعًا لا يمكن مواجهته، إلى مرحلة أعلنت فيها أن السلاح يجب أن يكون حصرًا في يد الدولة. وهذه خطوة صحيحة وأساسية، لكنها لا تكفي إذا بقيت مجرد إعلان سياسي. المطلوب أن تتحول السيادة من موقف إلى ممارسة، ومن بيان إلى قرار، ومن اعتراف نظري إلى قدرة فعلية على منع أي تنظيم من استخدام الأراضي اللبنانية.
يجب أن تقول الدولة، كل يوم ومع كل إشراقة شمس، إن الأرض اللبنانية ليست ساحة مفتوحة لأي تنظيم، وإنه لا يحق لأي جهة أن تقرر الحرب والسلم، أو أن تطلق النار من لبنان، أو أن تستخدم لبنان منصة لتنفيذ أجندة خارجية.
ولا تستطيع الدولة اللبنانية أن تتبرأ من مسؤوليتها، وأن تتفرج على المواجهة بين الحزب الإيراني وإسرائيل، ثم تقول إنها لا تستطيع أن تكون مع إسرائيل ضد الحزب. فهذا الكلام، وغيره من التبريرات، في غير محله. فمن يستخدم الأرض اللبنانية لأعماله العسكرية ليس إسرائيل، بل الحزب الإيراني، الذي يستهدف الأراضي الإسرائيلية انطلاقًا من الأراضي اللبنانية. وهذا تحديدًا ما يستدعي من الدولة موقفًا حازمًا برفض استخدام أرضها للاعتداء على أي دولة أخرى، أكانت إسرائيل أم غير إسرائيل.
السيادة لا تتجزأ، والمسؤولية لا تتجزأ. فإذا كانت الدولة تريد أن تثبت أنها دولة فعلية، فعليها أن تبدأ من القاعدة البديهية: لا تنظيم مسلّح فوق الدولة، ولا سلاح خارج سلطتها، ولا عمل عسكري ينطلق من أرضها من دون قرارها. وهنا تبدأ كل القصة: الأرض اللبنانية للدولة اللبنانية، ومن يستخدمها خارج قرارها يتحدى سيادتها، وعلى الدولة أن تواجهه وتمنعه بالقوة.



