جعجع: انتهى زمن الحبر على الورق

لم يكن خطاب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في قداس شهداء المقاومة اللبنانية مجرّد استعادة لخمسين عامًا من النضال، ولا مناسبة لتعداد المحطات والتضحيات. أهميته الفعلية كانت في أنه وضع الإصبع على جوهر اللحظة السياسية التي يعيشها لبنان اليوم: الفرصة باتت موجودة لقيام الدولة، لكن الخطر الحقيقي أن يضيّعها المسؤولون بالتردد والمماطلة وانتظار ما لن يأتي.
جعجع التقط التحول الحاصل في لبنان والمنطقة، وبنى عليه معادلته بوضوح. السلاح خارج الدولة لم يعد قادرًا على تقديم نفسه كحماية للبنان، والمعادلات التي حكمت البلد لسنوات تهاوت واحدة تلو الأخرى، فيما إيران التي كان حزب الله ينتظرها في كل استحقاق أصبحت هي نفسها محاصرة وتبحث عن مخرج. لذلك لم يعد السؤال ماذا ستفعل طهران، بل ماذا ستفعل الدولة اللبنانية.
وهنا تحديدًا كانت قوة الخطاب.
جعجع لم يطلب حوارًا جديدًا، ولم يقترح تسوية إضافية، ولم يمنح السلاح مهلة سياسية جديدة. قال عمليًا إن المشكلة لم تعد تحتاج إلى تشخيص، لأن التشخيص معروف منذ سنوات. ما ينقص هو القرار والتنفيذ.
فلبنان جرّب التسويات، وجرّب الشعارات، وجرّب معادلة “جيش وشعب ومقاومة”، وجرّب الانتظار على أمل أن يحل السلاح نفسه بنفسه. وكانت النتيجة مزيدًا من الحروب والدمار والخسائر. لذلك اعتبر جعجع أن هذه الشعارات سقطت، وأن الاستمرار في الدوران حول المشكلة لم يعد ممكنًا.
لكن اللافت أن جعجع لم يحصر مسؤوليته السياسية في مهاجمة حزب الله، بل وجّه جزءًا أساسيًا من رسالته إلى الدولة نفسها.
فوجود السلاح خارج الدولة مشكلة، لكن تردد الدولة في ممارسة صلاحياتها مشكلة أيضًا.
والقرار الذي لا يُنفذ ليس قرارًا.
والدولة التي تعرف ماذا يجب أن تفعل ثم تؤجله إلى أجل غير مسمى لا تستطيع لاحقًا أن تقول إن الظروف لم تكن مناسبة.
من هنا جاءت عبارته الأكثر دلالة: المطلوب “خطوات عملية جداً” لا قرارات تبقى حبرًا على ورق، لأن ساعة قيام الدولة دقّت، ولأن اللحظة العربية والدولية المتاحة اليوم قد لا تتكرر.
وهذا هو بيت القصيد.
جعجع يقول للمسؤولين إنهم لم يعودوا يملكون ترف إدارة الأزمة، بل عليهم إنهاؤها.
لا يمكن أن تبقى الدولة مطالبة بحماية اللبنانيين فيما قرار الحرب خارجها.
ولا يمكن أن تُطالب بوقف الاعتداءات فيما تنظيم مسلح يحتفظ لنفسه بحق تحديد متى يبدأ القتال ومتى ينتهي.
ولا يمكن أن تُحاسب الدولة على ضعفها فيما تبقى مكبلة من داخلها.
ولهذا جاءت عبارته الشعبية والسياسية في آن واحد: “فك عن ضهرها للدولة قبل ما تطلب منها تعملك”.
المعادلة التي طرحها جعجع بسيطة: إما دولة واحدة بقرار واحد وسلاح واحد، وإما استمرار الدوامة نفسها.
والأهم أنه رفض أن تتحول “السيادة” إلى شعار موسمي. فالسيادة التي تحدث عنها ليست خطابات ضد إسرائيل ولا شعارات ضد الخارج، بل دولة تمسك أرضها وقرارها، وتمنع أي جهة من جرّ اللبنانيين إلى حرب لا يريدونها، وتستعيد قدرتها على فرض القانون على الجميع بلا استثناء.
لهذا كان الخطاب مختلفًا.
لم يقل جعجع للبنانيين إن الحل قريب لأن الظروف ستتكفل به.
قال العكس تمامًا: الظروف فتحت الباب، لكن على الدولة أن تدخل منه.
ولم يقل إن على لبنان انتظار إيران.
قال إن حزب الله انتظر إيران طويلًا، فيما لبنان لم يعد يستطيع الانتظار.
ولم يقل إن المطلوب المزيد من الكلام.
قال إن زمن الكلام انتهى.
اليوم، إما أن تتحول قرارات الدولة إلى أفعال، وإما أن تضيع فرصة دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة للوصول إليها.
فجر السيادة قد يكون لاح بالفعل، كما قال جعجع، لكن الفجر وحده لا يبني دولة.
يبنيها القرار.
وتحميها الجرأة.
ويثبتها التنفيذ.
ولهذا كان عنوان المرحلة كما رسمه جعجع واضحًا: انتهى زمن الحبر على الورق.



