الثلاثية المسيحية: الدولة والكنيسة والأحزاب

الثلاثية المسيحية بين الدولة والكنيسة والأحزاب في لبنان
شارل جبّور

الحملة على الأحزاب داخل الوسط المسيحي ليست جديدة، وأهدافها وغاياتها معروفة للقريب والبعيد. بعض هذه الأهداف يرتبط بحسابات تنافسية وسلطوية: هناك من يرى في حزبٍ ما عائقًا أمام وصوله إلى مقعد نيابي، أو في تنظيمٍ سياسي حاجزًا أمام بلوغه مقعدًا وزاريًا، أو في قوةٍ حزبية منافسًا أمام طموحه الرئاسي. وهذا النوع من التنافس لن نتوقف عنده اليوم، لأنه يبقى في نهاية المطاف جزءًا من صراع تنافسي.

لكن السؤال الذي يجب التوقف عنده هو: لماذا هذه الحرب المتكررة على الأحزاب، وتحديدًا داخل الوسط المسيحي؟ وماذا يعني ضرب الأحزاب في مجتمع تعددي كالمجتمع اللبناني؟ لفهم ذلك، لا بد من العودة إلى طبيعة المجتمع المسيحي في لبنان، الذي قام تاريخيًا على ثلاثة مرتكزات متكاملة: الدولة، والكنيسة، والأحزاب.

الدولة هي المرتكز الأول وحجر الزاوية في حماية المجتمع. وهذا ما يفسر، في جانب أساسي منه، تشدد المسيحيين تاريخيًا في التمسك بفكرة الدولة. فهم يدركون أن غياب الدولة يعني الفوضى، وأن الفوضى تعني تفكك المجتمع والهجرة وفقدان القدرة على الاستمرار. لذلك ظلّ المسيحيون مشدودين إلى فكرة الدولة، لأنها بالنسبة إليهم شرط من شروط بقائهم، وعدم هجرتهم، وبقاء لبنان واستقراره واستمرار مكوناته.

أما المرتكز الثاني فهو الكنيسة. فالكنيسة لم تكن في التاريخ المسيحي اللبناني مجرد مؤسسة دينية تؤدي دورًا روحيًا. لقد كانت مؤسسة إنسانية واجتماعية وتربوية ووطنية، ساهمت في تثبيت الوجود المسيحي وتطويره، وربطته بمحيطه والعالم، وأنشأت الجامعات والمدارس والمعاهد والمستشفيات، وأسهمت في صناعة النخب وفي ترسيخ القيم والمفاهيم الأخلاقية والإنسانية التي شكّلت جزءًا أساسيًا من شخصية المجتمع.

إذا كانت الدولة هي حجر الزاوية في حماية البلد والمجتمع والناس، فإن الكنيسة هي حجر الزاوية في بناء الإنسان وتحصين المجتمع وحماية قيمه وهويته.
ويبقى المرتكز الثالث: الأحزاب. ولا نتحدث هنا عن أي أحزاب، ولا عن الأحزاب بوصفها أدوات انتخابية أو منصات للوصول إلى السلطة من أجل السلطة، وليس من أجل حماية المجتمع والناس والبلد، بل عن الأحزاب التي تحمل قضية وثوابت ومبادئ ومسلمات، والتي تؤدي في مجتمع تعددي وظيفة أساسية في الدفاع عن هذا المجتمع وحماية مصالحه السياسية والوطنية.

الأحزاب، بهذا المعنى، هي في حالة تكامل مع الدولة والكنيسة. فهي تتكامل مع الكنيسة في حماية المجتمع وقيمه ووجوده ودوره، وتتكامل مع الدولة في تثبيت السيادة وحفظ الأمن وتطبيق القانون وقيام المؤسسات.
ومن هنا، فإن العلاقة بين هذه المرتكزات الثلاثة لا يفترض إطلاقًا أن تكون علاقة تنافس، بل علاقة تكامل: الدولة تحمي السيادة، والكنيسة تبني الإنسان، والأحزاب تشكل الحاضنة الشعبية والسياسية لدور الدولة في حماية البلد والناس.
ولهذا السبب تحديدًا، لا يمكن النظر إلى استهداف أحد هذه المرتكزات بمعزل عن المرتكزين الآخرين. إذا انهارت الدولة، تأثرت الكنيسة والأحزاب، وتحوّل المجتمع إلى ساحة للفوضى والهجرة. وإذا ضعفت الكنيسة، خسر المجتمع جزءًا أساسيًا من مناعته الروحية والأخلاقية والقيمية والإنسانية. وإذا أُضعفت الأحزاب التي تحمل قضية وثوابت، أصبحت الدولة نفسها أكثر رخاوة، والمجتمع أكثر عرضة للاستهداف والتهميش.

والتاريخ اللبناني الحديث يقدّم الدليل. ليس من قبيل المصادفة أن نظام الأسد أصرّ على حلّ حزب “القوات اللبنانية”، وليس من قبيل المصادفة أن أصرّ على اعتقال الدكتور سمير جعجع. فالمسألة لم تكن مجرد خلاف مع حزب أو مع قائد سياسي. كان المطلوب، من خلال ضرب “القوات” واعتقال قائدها، إخضاع لبنان واللبنانيين، وتوجيه رسالة إلى الجميع بأن لبنان بات تحت الهيمنة، وأن لا قوة سياسية قادرة على الاعتراض أو المقاومة.

وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن الخلاص من تلك المرحلة جاء من باب الكنيسة، لأن الكنيسة كانت ولا تزال أحد المرتكزات الأساسية للبنان القضية. وهنا يجب أن نفهم جيداً ماذا تعني الأحزاب. هذا لا يعني إطلاقًا إلغاء دور الأفراد أو التقليل من أهميته. لكل فرد دوره، وله كل التحية على جهده، وله كل الاحترام على مواقفه. بل إن الفرد يستطيع أحيانًا، بحكم حريته الشخصية، أن يقول ما لا تستطيع الأحزاب قوله، وأن يتحرك في مساحات لا تستطيع التنظيمات السياسية التحرك فيها.

لكن الأفراد لا يُغنون عن الأحزاب، كما أن الأحزاب لا تُغني عن الدولة، والدولة لا تستغني عن الكنيسة، والكنيسة لا يمكن أن تكون بديلًا من الدولة. القضية هي في التكامل، لا في الإلغاء.
ومن هنا، فإن استهداف الأحزاب، ولا سيما الأحزاب المسيحية التي تحمل مشروعًا وطنيًا وثوابت واضحة، هو إضعاف لأحد أعمدة المجتمع، وبالتالي إضعاف للدولة نفسها. وهذا ما عمل عليه حافظ الأسد، وورثه عنه الإيراني. فالدولة القوية تحتاج إلى مجتمع قوي، والمجتمع القوي يحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات لا تتعارض في ما بينها عندما تكون أدوارها واضحة، بل تتكامل. وقوة الدولة من قوة الكنيسة والأحزاب، وقوة الأحزاب من قوة الدولة والكنيسة، وقوة الكنيسة من قوة الدولة والمجتمع.

هذه هي الثلاثية المتكاملة التي قامت عليها التجربة المسيحية اللبنانية: دولة قوية، وكنيسة قوية، وأحزاب قوية تحمل قضية وثوابت. ومن الخطأ الفادح أن يُراد اليوم إضعاف أحد هذه الأضلاع تحت شعار محاربة الأحزاب، أو رفض العمل الحزبي، أو تمجيد الفرد على حساب التنظيم.

فالخاسر في نهاية المطاف ليس الحزب وحده. الخاسر هو الدولة عندما تصبح رخوة، والمجتمع عندما يصبح بلا حماية، والكنيسة عندما تفقد البيئة القادرة على احتضان رسالتها. وإذا كان لبنان بخير، تكون جميع طوائفه بخير. وإذا كان لبنان ضعيفًا، تدفع جميع مكوناته الثمن. لذلك، حذارِ المسّ بهذه الثلاثية: الدولة، والكنيسة، والأحزاب. فهي ليست ثلاث قوى متنافسة على لبنان، بل ثلاثة أعمدة لحماية لبنان.