من محو إسرائيل والصلاة في القدس إلى حماية بيروت… هكذا تقلّص «الانتصار»

لسنوات طويلة، رُفع سقف الخطاب إلى حدّ لم يعد معه شيء مستحيلاً. من الحديث عن زوال إسرائيل ومحوها خلال دقائق في أدبيات المحور، إلى الوعد بالصلاة في القدس، مرورًا بمعادلات الردع التي قيل إنها جعلت إسرائيل عاجزة عن مجرد التفكير في الدخول إلى لبنان.
أما اليوم، فقد تقلّص تعريف «الانتصار» إلى مستوى مختلف تمامًا.
نعيم قاسم، وهو يعدّد ما وصفه بإنجازات المقاومة، قال إن الحزب «منعهم أن يصلوا إلى العاصمة بيروت».
حسنًا، ولكن ماذا عن الجنوب؟
قبل أن يسجّل قاسم إنجاز منع إسرائيل من الوصول إلى بيروت، فليشرح أولًا لماذا لم تتمكن هذه «المقاومة» من منعها من الدخول إلى الأراضي اللبنانية أصلًا، ومن السيطرة على مناطق في الجنوب، ومن تنفيذ عملياتها العسكرية داخل لبنان، ومن إبقاء أراضٍ لبنانية تحت احتلالها.
كيف انتقلنا من معادلة تقول إن إسرائيل لا تجرؤ على الدخول إلى لبنان، إلى معادلة تعتبر أنها دخلت… لكنها لم تصل إلى بيروت؟
وهل أصبح الخط الأحمر الجديد هو العاصمة؟
هذا بالضبط ما يكشف حجم التحول في الخطاب.
فالجهة التي كانت تتحدث عن ردع كامل، وعن تهديد إسرائيل في عمقها، وعن تحرير القدس، أصبحت اليوم تبحث عن «إنجاز» في حدود ما لم تستطع إسرائيل الوصول إليه، بدل أن تجيب عن السؤال المتعلق بما وصلت إليه فعلًا.
ثم إن قاسم لم يقدم دليلًا على أن احتلال بيروت كان أصلًا هدفًا عسكريًا إسرائيليًا في هذه الحرب حتى يستطيع القول إن الحزب أحبطه. وبالتالي يصبح «الإنجاز» مبنيًا على افتراض: إسرائيل كانت ستصل إلى بيروت، ونحن منعناها.
لكن الحروب لا تُقاس بالسيناريوهات الافتراضية.
تُقاس بما حدث على الأرض.
وما حدث هو أن إسرائيل دخلت الجنوب، ووسعت حضورها العسكري، ودمّرت قرى ومناطق، ولا تزال مسألة انسحابها الكامل مطروحة على طاولة المفاوضات.
فأين الردع الذي قيل للبنانيين سنوات إنه يمنع إسرائيل من الاقتراب؟
وأين أصبحت تلك الشعارات التي كانت تتحدث عن نقل المعركة إلى داخل إسرائيل، لا عن منعها من التقدم داخل لبنان؟
يمكن تغيير تعريف النصر كلما تغيرت النتائج، ويمكن تسمية الخسائر «تضحيات»، وعدم الوصول إلى بيروت «إنجازًا».
لكن المشكلة أن اللبنانيين يعرفون أين كانت الشعارات وأين أصبح الواقع.
من محو إسرائيل والصلاة في القدس إلى الاحتفال بأنها لم تصل إلى بيروت… هكذا، ببساطة، تقلّص «الانتصار».



