لا ترضي الفريق الإيراني ولا ترضي اللبنانيين: ماذا تنتظر الدولة؟

الدولة اللبنانية بين ضغط الفريق الإيراني والمطالبة بتنفيذ حصرية السلاح
شارل جبّور

المفارقة التي يفترض بالدولة اللبنانية أن تتوقف عندها جدياً هي أنها لم تعد ترضي أحداً. فالفريق الإيراني في لبنان يهاجمها يومياً، ويتهمها بأبشع النعوت: متعاونة مع إسرائيل، منفذة للأجندة الإسرائيلية، خاضعة للإملاءات الأميركية، ومتخلية عن مسؤولياتها. وهذا الفريق، الذي اعتاد تاريخياً أن تكون الدولة أداة في يده، لا يريد دولة مستقلة تقرر وتنفذ، بل دولة تخضع لإرادته.

وفي المقابل، فإن الفريق اللبناني السيادي لا يعترض على الدولة من حيث المبدأ، ولا يختلف معها على ضرورة استعادة السيادة، وتطبيق الدستور، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. اعتراضه هو على سلوك الدولة وتلكؤها في تنفيذ ما تقرره، وعلى اتخاذها قرارات تاريخية ثم إبقائها في إطار القرارات بدل تحويلها إلى أفعال.

وهذا يعني أن الدولة أصبحت في موقع لا ترضي فيه الفريق الإيراني لأنه يريدها أداة في يده، ولا ترضي الفريق اللبناني لأنها لا تذهب بالقدر الكافي في تنفيذ ما يفترض أن تقوم به الدولة.
وهنا تحديداً يفترض بالدولة أن تسأل نفسها: لمن يجب أن ترضي؟ الجواب يجب أن يكون واضحاً: لا لهذا الفريق ولا لذاك. الدولة لا يفترض أن تبحث عن رضا أحد، بل عن تطبيق دستورها وقراراتها وحماية مصالحها الوطنية. وهذا تحديداً ما يريده الفريق اللبناني، الذي جلّ ما يطلبه من الدولة أن تكون دولة فعلية، وألا تبقى دولة شكلية كما أرادها ويريدها الفريق الإيراني.

فالمطلوب، ببساطة، أن تتصرف الدولة كدولة. ومن الأمثلة الأخيرة على ذلك: هل يعقل أن يبقى الكلام الأخير للشيخ نعيم قاسم عن أنه “باقٍ في الميدان” من دون رد، وأن تتعامل الدولة معه وكأنها لم تسمعه؟ المطلوب بالحد الأدنى أن يصدر موقف واضح عن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، يقول له: الموجود في الميدان هو الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية والمؤسسات الشرعية للدولة. الميدان اللبناني ليس ملكاً لحزب، ولا لطائفة، ولا لمحور إقليمي، ولا لأمين عام حزب يقرر من تلقاء نفسه أنه باقٍ فيه. الميدان مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها، والدولة لن تسمح بعد اليوم باستخدام الميدان اللبناني منصة لإيران وميليشياتها.

كان يفترض بالدولة، وفي مقدمها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، أن تقولا للشيخ نعيم قاسم بوضوح ومن دون أي التباس: لا علاقة لك بالميدان. الميدان للدولة اللبنانية وحدها، ومن يحاول أن يفرض نفسه فيه إنما يتحدى الدستور وقرارات الحكومة، ويعتدي على صلاحيات مؤسساتها الشرعية، ويمس بالأمن الوطني اللبناني.

هذه ليست مسألة سجال سياسي، بل مسألة سيادة. فمن غير المقبول أن تتخذ الدولة قرارات بحصر السلاح بيدها، ثم تسمح لمن يفترض أن تنطبق عليه هذه القرارات بأن يعلن صراحة أنه لن يترك الميدان، من دون أن يسمع رداً رسمياً واضحاً وحاسماً.

أما السردية التي يحاول الفريق الإيراني إعادة إنتاجها حول “المقاومة” وإنجازاتها، فلم تعد تجيب عن السؤال الأساسي: ماذا فعل الميدان الإيراني بلبنان؟ لقد تحوّل لبنان إلى ساحة حرب، ودُمرت مناطق واسعة، وسقط عشرات آلاف اللبنانيين، وهُجّر أكثر من مليون لبناني، وانتهكت سيادة الدولة، ودخلت إسرائيل إلى عمق جنوب الليطاني بسبب الميدان الإيراني، فيما بقي هذا الفريق نفسه عاجزاً عن تحقيق ما وعد به بيئته طوال عقود.
فعلى الدولة أولاً أن تعلن، بالفم الملآن، في كل مرة يخرج فيها أحد مسؤولي الحزب الإيراني في لبنان ليتحدث عن بقائه في الميدان، أن الميدان للدولة اللبنانية وليس لإيران، وأن صفحة تحويل لبنان إلى مستعمرة إيرانية قد طُويت إلى غير رجعة.

هذا على مستوى الموقف، أما على مستوى التنفيذ، فيجب أن تكون الدولة حاسمة في وضع الحزب الإيراني أمام خيارين واضحين لا ثالث لهما: إما أن تنفِّذ قراراتها بنزع سلاحه وحل تنظيمه العسكري والأمني، وتتحمل مسؤوليتها كاملة، وتباشر عبر مؤسساتها الشرعية استعادة احتكار الدولة للسلاح والقوة، بما في ذلك اتخاذ الإجراءات القانونية والأمنية اللازمة بحق من يرفض الامتثال لقراراتها. فمن غير الجائز ولا المقبول تحدي إرادة الدولة بالكلام عن الميدان، فيما الدولة نفسها تقف متفرجة.

وإما، إذا كانت لا تريد تنفيذ دستورها وقراراتها، فعليها أن تقول للفريق الإيراني الذي يتمسك بالميدان: من يريد الاحتفاظ بالميدان عليه أن يتحمل مسؤولية الميدان ونتائجه، وأن يواجه وحده تبعات خياره، لا أن يستخدم الدولة غطاءً سياسياً ودبلوماسياً عندما يحتاج إليها.

وعندها، تعلّق الدولة مفاوضاتها بانتظار حسم الميدان، ولا تتدخل في المرة المقبلة إلا بعد أن يعلن الحزب الإيراني استسلامه أولاً، وتسليم سلاحه وحل تنظيمه العسكري والأمني ثانياً، وإعلانه التخلي علناً وجهاراً عن ما يسمى “المقاومة” باعتبار أنها انتهت، والانتقال إلى العمل السياسي، والتزامه بالدستور اللبناني وقرارات الحكومة.

وقبل أن يعلن ذلك، يُترك وجهاً لوجه مع إسرائيل، فيما تقوم الدولة بإبعاده عن المناطق التي لم تشكل يوماً بيئة حاضنة له، وتوفير الحماية لها من أجل محاصرته جغرافياً.
أما أن تبقى الدولة في المنتصف، فتتخذ القرارات ولا تنفذها، وتدخل في مفاوضات تراوح مكانها، وتتعرض في الوقت نفسه للتخوين من الفريق الإيراني وللاستياء من الفريق اللبناني، فهذه ليست سياسة دولة. الدولة لا تُقاس فقط بما تقوله، بل بما تنفذه. والمطلوب منها اليوم ليس إرضاء أحد، بل أن تكون دولة فعلية. فإما أن يكون الميدان للدولة، والسلاح للدولة، وقرار الحرب والسلم للدولة، وإما أن يستمر لبنان في دفع ثمن وجود سلطة موازية للدولة، وهو الثمن الذي دفعه اللبنانيون بما يكفي.

لقد آن الأوان لأن تحسم الدولة أمرها. الميدان اللبناني للدولة اللبنانية وحدها. ومن يرفض هذه المعادلة، عليه أن يعرف أن الدولة لن تبقى متفرجة على من يتحداها.