باسيل يغيّر البوصلة… والتدقيق الجنائي يفتح دفاتر البواخر

جبران باسيل والتدقيق الجنائي في ملف بواخر الكهرباء وصفقات الفيول

فجأة، رفع جبران باسيل سقف المواجهة.

الحكومة باتت تحت النار، ملف العفو صار مادة تعبئة سياسية، الدفاع عن الجيش تقدّم إلى واجهة الخطاب، والكهرباء والإصلاحات تحوّلت إلى عناوين مساءلة، فيما بدأ “التيار الوطني الحر” يتصرف وكأنه رأس المعارضة في البلاد.

كل ذلك يحصل في توقيت لا يمكن فصله عن تطور آخر بالغ الحساسية: فتح مسار التدقيق الجنائي في ملف بواخر الكهرباء وصفقات الفيول المرتبطة بها، وهو واحد من أكثر الملفات التصاقًا بالمرحلة التي أمسك فيها التيار بوزارة الطاقة ودافع خلالها عن خياراته وسياساته.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تحوّل سياسي طبيعي، أم محاولة لتغيير البوصلة في اللحظة التي بدأت فيها دفاتر قديمة تُفتح من جديد؟

في الأيام الأخيرة، بدا باسيل وكأنه قرر الانتقال دفعة واحدة من موقع المراقب إلى موقع المهاجم. لم يعد الاكتفاء بالانتقاد كافيًا، بل صار الحديث عن مساءلة الحكومة، وعن عشرات البنود التي يعتبر التيار أنها تشكل إخفاقات أو مخالفات، وصولًا إلى رفع سقف الكلام في اتجاه طرح الثقة.

لكن الأزمات التي يتحدث عنها باسيل اليوم ليست جديدة. الكهرباء لم تصبح مشكلة هذا الأسبوع، والإصلاح لم يتعثر أمس، والمالية العامة لم تنهَر فجأة، والجيش لم يحتج اليوم فقط إلى من يدافع عنه.

الجديد الحقيقي هو التوقيت.

في 21 آب، أطلق وزير الطاقة جو صدّي مسار التدقيق الجنائي في بواخر الطاقة وصفقات الفيول المرتبطة بها، وهو تدقيق يفترض أن يعود إلى عقود وقرارات اتُّخذت في سنوات كان فيها “التيار الوطني الحر” في صلب إدارة وزارة الطاقة. التدقيق لم يصدر أحكامًا بعد، ولم يثبت مسؤولية شخصية على أحد، لكن مجرد فتح الملف يعني أن مرحلة كاملة من السياسات والخيارات باتت قابلة للفحص المالي والجنائي بدل أن تبقى حبيسة السجال السياسي.

وهنا تكمن المفارقة.

في اللحظة التي تُفتح فيها دفاتر البواخر، يفتح باسيل دفاتر الحكومة.

في اللحظة التي يبدأ فيها التدقيق في خيارات ارتبطت بمرحلة نفوذ التيار داخل وزارة الطاقة، يرفع باسيل راية المحاسبة في وجه الآخرين.

وفي اللحظة التي يصبح فيها مطلوبًا تقديم أجوبة عن الماضي، ينتقل الخطاب سريعًا إلى سؤال الحكومة عما فعلته في الحاضر.

طبعًا، لا يعني ذلك أن كل اعتراض يطلقه باسيل غير مشروع، ولا أن الحكومة فوق المحاسبة. لكن المحاسبة لا يمكن أن تكون باتجاه واحد. ومن يريد أن يفتح ملفات الآخرين، عليه أن يقبل بأن تُفتح ملفاته أيضًا.

هنا تحديدًا يصبح ملف الكهرباء أكثر إحراجًا لباسيل من غيره. فالتيار أمضى سنوات طويلة في إدارة الوزارة، وارتبط اسمه سياسيًا بخطط الكهرباء والبواخر والفيول والمعامل والوعود المتكررة بزيادة التغذية. لذلك، عندما يتحول اليوم إلى مهاجمة أداء الحكومة في الطاقة والكهرباء، لا يستطيع أن يتصرف وكأن هذا القطاع بدأ مع الحكومة الحالية.

المسؤولية السياسية لا تُمحى بمجرد الانتقال من السلطة إلى المعارضة.

ومن حكم وقرّر ودافع عن السياسات، لا يستطيع أن يفتح دفتر محاسبة الآخرين وكأن دفاتره أُقفلت.

لهذا، فإن التدقيق الجنائي في ملف البواخر لا يجب أن يتحول إلى مادة تصفية حسابات سياسية، لكنه في الوقت نفسه لا يجوز أن يُدفن تحت ضجيج سياسي جديد. المطلوب أن يذهب التدقيق إلى نهايته، وأن تظهر الوقائع كما هي، وأن يعرف اللبنانيون كيف اتُّخذت القرارات، وما هي الكلفة، ومن استفاد، وما إذا كانت هناك مخالفات أو مسؤوليات مالية أو إدارية أو جنائية.

وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال عن التصعيد السياسي الحالي قائمًا.

لماذا الآن تحديدًا؟

لماذا ارتفعت كل الجبهات في وقت واحد؟

ولماذا يبدو أن باسيل يريد أن يفرض على الرأي العام جدول أعمال جديدًا، في اللحظة نفسها التي بدأ فيها ملف بواخر الكهرباء يعود إلى الواجهة من باب التدقيق الجنائي؟

قد تكون المصادفة ممكنة.

لكن السياسة لا تعيش على المصادفات وحدها.

المفارقة أن من يرفع اليوم راية المحاسبة، يُفتح في الوقت نفسه أحد أكبر الملفات المرتبطة بمرحلة إدارة تياره لوزارة الطاقة: بواخر الكهرباء والفيول.

ومن هنا، بدل أن يسأل باسيل الحكومة وحدها عن حسابها، قد يكون من حق اللبنانيين أن يسألوه أيضًا:

من يغيّر البوصلة… ولماذا الآن؟