كهرباء لبنان تبدأ المحاسبة… هل تدفع الدولة ما تطلبه من المواطن؟

كهرباء لبنان تبدأ قطع التيار عن المؤسسات العامة المتخلّفة

بدأت مؤسسة كهرباء لبنان تنفيذ خطوة كان يفترض أن تكون بديهية منذ سنوات: من لا يدفع فاتورته، يُقطع عنه التيار، حتى لو كان الجهة المتخلّفة عن الدفع مؤسسة عامة أو وزارة أو بلدية.

فبعد مهلة خمسة أيام عمل منحتها المؤسسة للإدارات والمؤسسات العامة والبلديات لتسديد متأخراتها أو التواصل معها لوضع آلية واضحة للدفع، باشرت قطع التيار عن الجهات التي لم تستجب. واستُثنيت المستشفيات الحكومية لأسباب إنسانية، فيما مُنحت مهلة إضافية لبعض الجهات التي بدأت فعليًا بتسديد جزء من المتوجبات.

الخطوة تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تفتح ملفًا أكبر بكثير: كيف تطالب الدولة المواطن بأن يدفع فواتيره في مواعيدها، فيما مؤسسات تابعة للدولة نفسها راكمت على مدى سنوات عشرات ومئات ملايين الدولارات من المتأخرات؟

الأرقام تكشف حجم المشكلة. فوفق جدول سابق لكهرباء لبنان يغطي المتأخرات المتراكمة بين تشرين الثاني 2022 ونهاية كانون الأول 2025، كانت 192 جهة عامة مدينة للمؤسسة بنحو 19.4 تريليون ليرة، أي ما يقارب 218 مليون دولار وفق سعر الصرف المعتمد في الجدول. وتصدرت مؤسسات المياه قائمة المتأخرين بنحو 135.6 مليون دولار مجتمعة، فيما ظهرت متأخرات بملايين الدولارات على وزارات وإدارات وأجهزة رسمية مختلفة.

وشمل قطع التيار عددًا من الجهات، بينها وزارة الأشغال العامة ودوائر تابعة لها، والضمان الاجتماعي، ومصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، ومصلحة المدينة الرياضية، والمجلس الوطني للبحوث العلمية. في المقابل، بادر الجيش اللبناني إلى تسديد مستحقاته، كما سددت مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان ما يتوجب عليها، فيما سُجّل تحرك من جهات أخرى لتسوية أوضاعها.

وهنا تظهر أهمية القرار. فهو لا يتعلق فقط بتحصيل أموال متأخرة، بل بكسر فكرة رسخت طويلًا في الإدارة اللبنانية: أن الجهة العامة تستطيع أن تتأخر، وأن تتراكم ديونها، وأن تستمر الخدمة وكأن شيئًا لم يكن، بينما يُطلب من المواطن العادي أن يدفع تحت طائلة القطع.

إذا كانت الكهرباء خدمة لها كلفة، وإذا كانت المؤسسة تحتاج إلى الجباية لشراء الوقود والمحافظة على الحد الأدنى من التغذية، فلا يمكن أن يبقى هناك معيار للمواطن ومعيار آخر للدولة.

وتزداد المسألة إلحاحًا في ظل الارتفاع الكبير في كلفة إنتاج الكهرباء. فالمؤسسة تحتاج إلى عشرات ملايين الدولارات الإضافية شهريًا لمجرد الحفاظ على ساعات تغذية محدودة، فيما كانت ديون القطاع العام للمؤسسة قد بلغت نحو 250 مليون دولار حتى أواخر 2025، وكانت تزداد بنحو 12 مليون دولار شهريًا.

هذه الأموال لا تأتي من فراغ. عندما لا تدفع مؤسسة عامة فاتورتها، لا تختفي الكلفة، بل تنتقل إلى مكان آخر: إلى عجز المؤسسة، أو إلى الخزينة، أو إلى المواطن الذي يُطلب منه في النهاية تمويل قطاع لا يستطيع تحصيل حقوقه حتى من الدولة نفسها.

لهذا، لا يجب أن يتحول تنفيذ القرار إلى حملة مؤقتة تنتهي بعد أيام. نجاح الخطوة يقاس بما إذا كانت ستؤسس لقاعدة دائمة: لا كهرباء مجانية لوزارة، ولا استثناء لمؤسسة لأنها عامة، ولا تراكم لملايين الدولارات من دون مساءلة.

وفي الوقت نفسه، المطلوب من كهرباء لبنان أن تذهب حتى النهاية في الشفافية. فمن حق اللبنانيين أن يعرفوا من دفع، ومن لم يدفع، وما حجم ديون كل مؤسسة، وما هي الجداول الزمنية المعطاة للتسديد. فالمحاسبة لا تكتمل بقطع التيار وحده، بل عندما تصبح الأرقام معلنة والمسؤوليات واضحة.

اللافت أن مجرد التهديد بالقطع دفع بعض الجهات إلى التسديد أو إلى فتح باب التفاوض على المتأخرات. وهذا بحد ذاته يطرح سؤالًا: إذا كان الدفع ممكنًا الآن، فلماذا تُركت الديون تتراكم أصلًا إلى هذا الحد؟

كهرباء لبنان تحتاج إلى إصلاحات أعمق بكثير من الجباية وحدها، من الهدر والتعديات إلى كلفة الإنتاج والاستثمارات المتأخرة. لكن أي إصلاح يبدأ من قاعدة بسيطة: المؤسسة التي تريد من الناس احترام الفاتورة عليها أن تفرض احترامها على الجميع.

اليوم بدأت كهرباء لبنان تطبيق هذه القاعدة على الدولة نفسها.

والامتحان الحقيقي ليس في عدد المباني التي انقطع عنها التيار، بل في ما إذا كانت هذه الخطوة ستصبح نهجًا دائمًا، لا استثناءً عابرًا.

فإذا كان المواطن مطالبًا بأن يدفع للدولة، أليس من البديهي أن تدفع الدولة أيضًا ما عليها؟