لبنان لا يستطيع الانتظار: على الدولة أن تكسر الجمود

شارل جبّور
تسود حالة من الإحباط لدى الرأي العام اللبناني، مردّها إلى الجمود الذي يطبع ثلاثة مسارات مترابطة تؤثر مباشرة في وضع لبنان، وتُبقيه في حالة من المراوحة القاتلة:
المسار الأول هو المسار الأميركي ـ الإيراني، الذي يعيش حالة من الجمود. فالعلاقة بين واشنطن وطهران تتنقّل بين تصعيد يوحي بأن المواجهة قد تصل إلى حد إسقاط النظام الإيراني، وبين كلام عن مفاوضات واتفاق محتمل. وهذا التردد بين احتمال الحرب الحاسمة واحتمال الاتفاق الحاسم يُبقي المنطقة بأسرها معلّقة، وينعكس حكماً على لبنان.
المسار الثاني هو المسار الإسرائيلي ـ الحزب اللهي، وهو مرتبط عضوياً بالمسار الإيراني. فبعدما تم احتواء احتمالات الحرب الشاملة، باتت إسرائيل تتعامل مع الوضع على أساس طويل الأمد، وهي عززت أمن حدودها، وعاد سكان شمالها إلى حياتهم الطبيعية، فيما رسخت وجودها جنوب الليطاني. وهي تقول بوضوح إنها لن تنسحب ما لم يُنزع سلاح الحزب، وقد حققت الجزء الأكبر من أهدافها، فيما يبقى لبنان عالقاً في الانتظار.
المسار الثالث هو المسار اللبناني الداخلي. وهنا يمكن اختصار المشهد بعبارة: حركة بلا بركة. لا شك أن الدولة اللبنانية تتحرك، ولا شك أيضاً أن الاتجاه الذي تسير فيه صحيح، وأن نياتها إيجابية لجهة إنهاء الظاهرة الشاذة المتمثلة في السلاح غير الشرعي المرتبط بإيران، واستعادة قيام الدولة اللبنانية الفعلية. لكن المشكلة أن هذا الحراك، حتى الآن، لم يتمكن من كسر الجمود.
وهنا السؤال الذي يطرحه عدد كبير من اللبنانيين: ماذا لو طال انتظار المسارين الأميركي ـ الإيراني والإسرائيلي ـ الحزب اللهي؟ وماذا لو لم يسقط النظام الإيراني غداً؟ وماذا لو لم تندلع الحرب الأميركية ـ الإيرانية بعد غد؟ وماذا لو لم تستأنف إسرائيل حربها ضد الحزب؟ هل يبقى لبنان أسير هذه الاحتمالات؟
الجواب يجب أن يكون بالتأكيد كلا. لا يجوز للدولة اللبنانية أن ترهن قرارها بالمتغيرات الخارجية، ولا أن تنتظر ما ستؤول إليه المواجهة الأميركية ـ الإيرانية أو ما ستقرره إسرائيل في مواجهة الحزب. فهذه كلها مسارات متحركة لا يمكن للبنان أن يتحكم بها، فيما المسار الوحيد الذي يستطيع التحكم به هو مساره الداخلي.
ولذلك، فإن المطلوب من الدولة اللبنانية ليس انتظار انتهاء الجمود الخارجي، بل كسره من الداخل. وكسر هذا الجمود يحتاج إلى تطبيق جدي وحازم للدستور ولقرارات الدولة، وإلى الانتقال من مرحلة إعلان النيات إلى مرحلة التنفيذ. فالكلفة التي قد تترتب على تطبيق الدولة قراراتها، مهما بلغت، تبقى أقل بكثير من كلفة استمرار النزيف اليومي الذي تسببه ظاهرة السلاح غير الشرعي المرتبط بالأداة الإيرانية في لبنان.
الدولة لا تستطيع أن تبقى متفرجة وانتظارية أمام مسارين لا تملك قرار تحريكهما. وهي قادرة، في المقابل، على تحريك مسارها الخاص، من خلال مواقف واضحة وحازمة وحاسمة، ومن خلال تحديد مهلة زمنية واضحة للحزب لتسليم سلاحه، وإلا تتولى الدولة بنفسها، وبموجب صلاحياتها الدستورية والقانونية، تنفيذ قرارها.
المطلوب أن تكسر الدولة الجمود. فلبنان لا يستطيع أن ينتظر إيران وإسرائيل وأميركا إلى ما لا نهاية. وعلى الدولة أن تبدأ من حيث يجب أن تبدأ: أن تتصرّف كدولة، وأن تواجه بالقوة كل من يستخدم لبنان منصة عسكرية، وكل من يحمل السلاح خارج مؤسساتها الشرعية.



