المال بالحقائب لم يعد مجرد صورة سياسية أو اتهام متداول. وزارة الخزانة الأميركية تقول إنها كشفت شبكة تنقل مبالغ نقدية قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات عبر رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، بهدف تأمين العملات الأجنبية للحزب بعيدًا عن النظام المالي الرسمي.
لكن البيان الأميركي الصادر في 20 آب لا يتوقف عند المال.
فالخزانة تقول أيضًا إن فيلق القدس الإيراني ينسّق مع الحزب، ويتدخل بعمق في توجيه قراره السياسي. وعلى هذا الأساس، أعادت واشنطن تصنيف الحزب باعتباره خاضعًا لسيطرة أو توجيه فيلق القدس، أو عاملًا لمصلحته.
وهنا يصبح السؤال أكبر من عقوبات على عشرة أشخاص.
إذا كان المال يأتي بالحقائب، فمن أين يأتي القرار؟
شبكة تمتد من إيران إلى لبنان
بحسب الخزانة الأميركية، يدير رجل الأعمال التركي يونس ألبير يلماز شبكة من حَمَلة الأموال تنشط بين دول المنطقة ولبنان.
وتقول الخزانة إن الشبكة استخدمت بعض شركات الصرافة في تركيا كواجهات، إضافة إلى شركات وحسابات مصرفية مرتبطة بتحويلات لصالح فيلق القدس.
كذلك، كان بعض أفراد الشبكة يجمعون الأموال من شركات الصرافة، بينما تولى آخرون نقل النقد سرًا إلى لبنان على متن رحلات تجارية.
وفرضت واشنطن عقوبات على عشرة أشخاص ضمن هذه الشبكة. وربطت ثلاثة منهم بتقديم الدعم لفيلق القدس، فيما ربطت السبعة الآخرين بتقديم الدعم للحزب.
إذًا، لا تتحدث الخزانة عن عملية منفردة أو حقيبة أموال واحدة. بل تصف منظومة مالية ولوجستية تعمل عبر عدة دول لتأمين النقد للحزب في لبنان.
المال ليس وحده المشكلة
لكن أخطر ما ورد في البيان لا يتعلق بحجم الأموال.
فالخزانة ربطت بين التمويل وبين القرار السياسي.
ووفق بيانها، يتدخل فيلق القدس «بعمق» في توجيه القرار السياسي للحزب، إضافة إلى دوره في تنسيق هجماته.
هنا تنتقل القضية من التمويل إلى السيادة.
الحزب يشارك في الانتخابات اللبنانية، ويتمثل في مجلس النواب، ويطالب بحقه في التأثير في القرار الوطني. وهذا يفترض، في المقابل، أن يكون قراره لبنانيًا، وأن يخضع تمويله للقوانين اللبنانية، وأن تحتكر الدولة قرار الحرب والسلم.
أما أن يأتي المال عبر شبكة مرتبطة بإيران، ثم تقول الخزانة إن القرار السياسي نفسه يخضع لتوجيه إيراني، فالمشكلة لم تعد مالية فقط.
تصبح المشكلة: لمن يعود القرار؟
حزب لبناني أم ذراع في مشروع إقليمي؟
يمكن للحزب أن يرفض الاتهامات الأميركية، وأن يعتبر العقوبات جزءًا من مواجهة سياسية معه.
لكن الرفض وحده لا يجيب عن الأسئلة.
من يمول؟
من ينقل الأموال؟
من يحدد الأولويات؟
ومن يقرر في القضايا التي قد تدفع لبنان إلى الحرب أو السلم؟
فإذا كان الحزب يريد أن يكون جزءًا طبيعيًا من الدولة اللبنانية، فعليه أن يخضع لقواعد الدولة نفسها.
أما أن يكون لبنانيًا في الانتخابات والوزارات والبرلمان، ثم يرتبط تمويله وقراره العسكري والسياسي بمنظومة خارجية، فهنا يقع التناقض.
المعادلة بسيطة.
إما حزب لبناني بقرار لبناني وتمويل يخضع لقوانين لبنان، وإما جزء من مشروع إقليمي يعمل من داخل لبنان.
أما المال بالحقائب والقرار من طهران، فلا يصنعان دولة سيدة.
بل يطرحان السؤال نفسه من جديد:
من يملك القرار في لبنان؟




