من يريد حماية الجنوب يبدأ بحصرية السلاح لا بالاختباء خلف اليونيفيل

بعد المواقف الأخيرة للرئيس نبيه بري حول ضرورة بقاء قوات «اليونيفيل» في الجنوب، واعتباره أن وجودها يشكّل عنصر حماية واستقرار، يبرز سؤال سياسي أساسي: إذا كان المطلوب أن يتسلّم الجيش اللبناني كامل الأرض والقرار، فلماذا يصبح الدفاع عن بقاء القوات الدولية أولوية، بدل المطالبة الواضحة بحصرية السلاح بيد الدولة؟

لا يمكن التعامل مع السجال الدائر حول دور «اليونيفيل» في الجنوب بوصفه نقاشًا تقنيًا أو تفصيلًا أمنيًا معزولًا. فالمسألة تتصل مباشرة بجوهر الأزمة اللبنانية: من يملك القرار في الجنوب؟ الدولة أم الدويلة؟ الجيش اللبناني أم السلاح الخارج عن الشرعية؟

ومن هنا، يصبح موقف الرئيس نبيه بري بحاجة إلى نقاش سياسي واضح. فهو، من موقعه كرئيس لمجلس النواب، أي من موقع دستوري شرعي، يفترض أن يكون أول المطالبين بحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني، وبأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار الأمني والعسكري على كامل الأراضي اللبنانية، وخصوصًا في الجنوب. لكن بدل أن يكون عنوان الموقف هو تسليم الجنوب كاملًا للشرعية، يصبح التركيز على بقاء «اليونيفيل»، وكأن المشكلة في القوات الدولية لا في السلاح غير الشرعي الذي يمنع الدولة من بسط سلطتها الكاملة.

إذا كان المطلوب فعلًا أن يتسلّم الجيش اللبناني الجنوب، فما الحاجة إلى إبقاء الجنوب موزعًا بين جيش و«يونيفيل» وسلاح حزبي فوق الاثنين؟ وإذا كان الجيش هو المؤسسة الشرعية، فلماذا لا يكون المطلب الأول والأخير هو أن تستلم الشرعية وحدها الأرض والسلاح والقرار؟ فالخوف الحقيقي على الجنوب لا يُترجم بالدفاع عن ترتيبات ناقصة، بل بالمطالبة الصريحة بإنهاء كل سلاح خارج الدولة، وتسليم المنطقة كاملة إلى الجيش اللبناني.

أما القول إن «الأهالي» يتحركون عفويًا في وجه «اليونيفيل»، فيحتاج أيضًا إلى مراجعة. فعندما تُقطع الطرق أمام القوات الدولية، أو يُمنع عناصرها من التنقل، أو تحصل اعتداءات قد تؤدي إلى جرحى أو قتلى، لا يمكن التعامل مع الأمر كتحرك شعبي بريء ومعزول. في منطقة ممسوكة سياسيًا وأمنيًا من الحزب الإيراني، يصبح من الصعب تصديق أن مجموعات تتحرك بهذا الشكل من دون توجيه أو تغطية أو غض نظر. وما يُسمّى «الأهالي» يتحول في كثير من الأحيان إلى واجهة تُستخدم لإخفاء قرار حزبي منظّم يهدف إلى تقييد حركة القوات الدولية ومنعها من القيام بمهامها.

وفي المقابل، لا يمكن إعفاء «اليونيفيل» نفسها من السؤال. فإذا كانت القوات الدولية موجودة منذ سنوات في منطقة عملها، فكيف تمكن الحزب الإيراني من بناء خنادق وأنفاق ومواقع وتخزين سلاح في الجنوب؟ كيف لم تُرصد هذه البنى؟ وكيف لم تُمنع؟ وهل المشكلة أن «اليونيفيل» لا ترى، أم أن قواعد عملها لا تسمح لها بأن ترى؟ لذلك، فإن المطلوب ليس فقط الدفاع عن بقائها، بل تعديل قواعد عملها بحيث تصبح قادرة على كشف السلاح ومنع تحويل الجنوب إلى منطقة عسكرية مغلقة خارج سلطة الدولة.

المشكلة إذًا ليست في وجود «اليونيفيل» أو عدمه، بل في استخدام ملفها للهروب من السؤال الأساسي: لماذا لا تُسلَّم الأرض كاملة إلى الجيش؟ ولماذا لا يطالب الرئيس بري، من موقعه الدستوري، بحصر السلاح بيد الشرعية بدل الاكتفاء بالدفاع عن صيغة تُبقي الجنوب بين سلطة الدولة وسلطة الأمر الواقع؟

الجنوب لا يُحمى بالازدواجية. لا يُحمى بجيش هنا، و«يونيفيل» هناك، وسلاح حزبي فوق الاثنين. الجنوب يُحمى عندما تصبح الدولة وحدها صاحبة القرار، والجيش وحده صاحب السلاح، والشرعية وحدها المرجع. ومن يريد فعلًا حماية الجنوب، عليه أن يبدأ من هنا: لا من حماية دور القوات الدولية فقط، بل من حماية حق الدولة في أن تكون دولة كاملة السيادة.