لا حلّ لسلاح الحزب جنوب الليطاني ما لم يُنزع شمال الليطاني

شارل جبّور

هناك من يصرّ، عن سابق تصوّر وتصميم، على مقاربة الوضع الحالي في لبنان والمنطقة بعقلية الأمس وأدواته ومقارباته القديمة، وكأن شيئًا لم يتغيّر منذ السابع من أكتوبر 2023.
هناك من يرفض الاعتراف بأن المنطقة تبدّلت، وأن الاستراتيجيات تغيّرت، وأن المعادلة التي كانت قائمة قبل السابع من أكتوبر لم تعد هي نفسها بعده. ومع ذلك، لا يزال البعض يحاول، بالحيلة أحيانًا وبالتذاكي أحيانًا أخرى، إعادة لبنان إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل هذا التاريخ، وكأن بالإمكان استعادة الستاتيكو السابق من دون الأخذ في الاعتبار كل ما حدث منذ ذلك الحين.

والأخطر أن هناك من لا يزال يحاول إعادة إنتاج تجربة حرب تموز 2006 وما نتج عنها من قرار دولي بقي حبرًا على ورق، أو أن يخاطب إسرائيل مواربةً بأنه الضامن لانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، من دون التطرّق إلى أصل المشكلة: السلاح الإيراني غير الشرعي ووجود تنظيم عسكري وأمني خارج الدولة.

التذاكي في هذه المسألة لم يعد ينفع. فالقول بالانسحاب من جنوب الليطاني وانتشار الجيش، مع الامتناع عن الكلام الصريح عن نزع سلاح “حزب الله” في كل لبنان، ليس حلًا لا لبنانيًا ولا إقليميًا ولا دوليًا، بل إعادة تدوير للأزمة نفسها.

فالواقع اللبناني بات مكشوفًا، والواقع الإقليمي والدولي أكثر انكشافًا. ولا أحد، في الخارج قبل الداخل، يصدّق أن الدولة اللبنانية في وارد أن تبسط سيادتها فعليًا في جنوب الليطاني إذا بقيت المشكلة الأساسية، أي السلاح الموازي لسلاح الدولة، من دون معالجة.
فلا حلّ لسلاح “حزب الله” جنوب الليطاني ما لم يُحلّ التنظيم العسكري والأمني للحزب ويُنزع سلاحه شمال الليطاني، أي أن يُنزع مركزيًا ومن كل لبنان. وكل مقاربة جزئية لهذا السلاح هي مقاربة ناقصة وساقطة.

ومن يصرّ على هذه المقاربة لا يصرّ فقط على إبقاء السلاح الإيراني الذي كان سببًا أساسيًا في تفجير لبنان وتعطيل قيام الدولة الفعلية، بل يتحمّل أيضًا مسؤولية إبقاء لبنان في حالة حرب مفتوحة، ودفعه نحو حرب واسعة جديدة.

ومن يصرّ على هذه المقاربة يصرّ على تطمين إسرائيل جنوب الليطاني، وإبقاء اللبنانيين شمال الليطاني تحت رحمة السلاح الإيراني ودوره التخريبي. لكن لا تل أبيب في وارد القبول بهذا العرض، لأنها تدرك أن الحزب الإيراني سيعود إلى جنوب الليطاني ما لم يُنزع سلاحه من كل لبنان. كما أن اللبنانيين ليسوا في وارد إبقاء وطنهم ملحقًا بإيران وحروبها.

لذلك، المطلوب أولًا هو الاعتراف بأن السابع من أكتوبر أسّس لعقيدة إقليمية متكاملة، كما يجب الاعتراف في المقابل بأن إسرائيل لم تعد تقبل، بعد السابع من أكتوبر، بالتعايش مع تنظيمات مسلحة مرتبطة بالإسلام السياسي، بشقّيه السني والشيعي، على حدودها.

وهذا يعني أن قواعد اللعبة تغيّرت: لا وجود مستقبلي لـ”حماس” كتنظيم عسكري مسلح في غزة، ولا وجود لـ”حزب الله” كتنظيم عسكري وأمني مسلح خارج الدولة في لبنان. ومن لا يريد الاعتراف بهذه الحقيقة سيبقى أسير حرب لا تنتهي.
وبالنسبة إلى لبنان تحديدًا، لا يمكن إنهاء الحرب نهائيًا من دون إنهاء السبب الذي يُبقيها قابلة للاشتعال في أي لحظة: السلاح الإيراني والتنظيم العسكري والأمني لـ”حزب الله”.

ثانيًا، يجب الاعتراف بأن إيران نفسها لم تعد تستطيع العودة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل السابع من أكتوبر. فالاستراتيجية الأميركية والدولية تجاه إيران تغيّرت، والمسألة لم تعد تقتصر على منعها من امتلاك سلاح نووي، بل تتصل أيضًا بدورها الإقليمي، وبقدرتها على استخدام أذرعها لابتزاز دول المنطقة وتهديد أمن الممرات والمضائق الدولية.

وثالثًا، إن الدول العربية والخليجية لم تعد مستعدة للقبول بالمعادلات التي كانت ممكنة قبل الحرب الأخيرة. شيء أساسي تبدّل، والتحالفات تتشكّل على قواعد جديدة، ومن يعتقد أن بإمكانه معالجة أزمات اليوم بأفكار الأمس إنما يعيش خارج الواقع.

لقد سقطت مقاربات قديمة في الميدان، وسقطت معها صدقية أصحابها. ولم يعد ممكنًا تقديم حلول خشبية لأزمة تغيّرت طبيعتها جذريًا. من يريد فعلًا إنهاء الحرب في لبنان، ومن يريد انسحاب إسرائيل، ومن يريد استعادة السيادة اللبنانية كاملة، عليه أن يقول بوضوح ما يجب أن يُقال: نزع سلاح “حزب الله” وحلّ تنظيمه العسكري والأمني، وإعادة حصرية القوة والسلاح إلى الدولة اللبنانية. وكل ما عدا ذلك ليس كذبًا على اللبنانيين فحسب، بل إن من يروّجه يتحمّل مسؤولية إبقاء لبنان وسط حرب مفتوحة على كل الاحتمالات السيئة.

أما محاولة الالتفاف على هذه الحقيقة، أو تأجيلها، أو استبدالها بانتشار شكلي أو ترتيبات مؤقتة، فلن تؤدي إلا إلى تمديد الحرب. لقد تغيّر لبنان والمنطقة والعالم. ومن يصرّ على إعادة إنتاج ما سقط، لا يحمي لبنان من الحرب، بل يمدّد الحرب ويقرّب لبنان من حرب جديدة.

فالطريق إلى إنهاء الحرب يمرّ عبر إنهاء أسبابها، وأول أسبابها في لبنان هو السلاح الإيراني خارج الدولة. ومن دون نزعه واحتكار الدولة وحدها للسلاح، سنعود إلى المعادلة نفسها: “تيتي تيتي، متل ما رحتي جيتي”.