التيار يسأل أين الخارجية… فهل يتذكّر أين كانت في عهده؟

يسأل نائب رئيس التيار الوطني الحر للشؤون الإدارية غسان الخوري: أين وزارة الخارجية؟ ويعتبر أن الوزارة غائبة عن التحرّك الدبلوماسي، فيما تتحرّك وزارات أخرى في ملفات يفترض أن تتولّاها الخارجية.

السؤال مشروع. لكن التيار تحديدًا لا يستطيع طرحه وكأن تاريخ وزارة الخارجية بدأ مع يوسف رجّي.

فمنذ تولّي جبران باسيل الوزارة عام 2014، مرورًا بناصيف حتي وشربل وهبة وزينة عكر وعبد الله بو حبيب، بقيت الخارجية لأكثر من عقد ضمن عهد كان التيار شريكًا أساسيًا في سلطته. والسجل موجود.

من باسيل إلى أزمة الخليج

عندما كان باسيل وزيرًا للخارجية، اختار لبنان عام 2016 النأي بنفسه عن مواقف عربية مرتبطة بإيران. واعترض باسيل على بيانات ذكرت الحزب الإيراني بالاسم.

وفي 2019، وقف باسيل في قصر بسترس إلى جانب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. يومها دافع علنًا عن الحزب، وقال إنه «حزب لبناني غير إرهابي»، في وقت كان بومبيو يهاجم نفوذ إيران والحزب داخل لبنان.

ثم جاء ناصيف حتي.

لم تكن مشكلة حتي أنه لم يعرف كيف يفعّل الوزارة. الرجل استقال في آب 2020، محذرًا من تحول لبنان إلى «دولة فاشلة»، ومتحدثًا عن غياب الإرادة السياسية المطلوبة للإصلاح. أي أن وزير الخارجية نفسه خرج محتجًا على طريقة إدارة الدولة.

وبعده جاء شربل وهبة.

في أيار 2021، أدّت تصريحات له إلى أزمة دبلوماسية مع دول الخليج. السعودية والإمارات والكويت والبحرين استدعت سفراء لبنان للاحتجاج، ثم طلب وهبة إعفاءه من مهماته.

فهل هذه هي الدبلوماسية التي يطالب التيار باستعادتها؟

حين اعترفت الخارجية بأن القرار ليس للدولة

أما في عهد عبد الله بو حبيب، فقد ظهرت المشكلة بصورة أكثر وضوحًا.

في تموز 2024، سُئل بو حبيب مباشرة عما إذا كانت الحكومة تستطيع السيطرة على الحزب الإيراني. فأجاب بأنه لا يعتقد أنها تستطيع ذلك. وسُئل أيضًا إن كان الحزب يستجيب لطلب الحكومة وقف عملياته. كان جوابه: لا.

هذه ليست قراءة سياسية لخصوم التيار.

هذا وزير خارجية لبنان آنذاك، يقول أمام العالم إن الدولة تتواصل مع تنظيم مسلّح على أرضها، لكنها لا تستطيع إلزامه بوقف النار.

أي صورة دبلوماسية كان لبنان يقدّمها يومها؟ دولة تفاوض العالم، فيما قرار الحرب الفعلي ليس كاملًا في يدها؟

هنا يصبح السؤال عن «أين كانت الخارجية؟» أكثر أهمية من السؤال عن مكانها اليوم.

الخارجية اليوم موجودة… لكن خطابها تغيّر

يوسف رجّي لا يدير وزارة بلا نشاط.

تحرّكت الخارجية خلال الأشهر الأخيرة على خطوط عربية وأوروبية ودولية. واتصل رجّي بوزراء خارجية عدّة خلال التصعيد، وتحرّك في جنيف وعمّان وقبرص والفاتيكان، فيما تابعت الوزارة ملفات التفاوض والسيادة والجيش والاستقرار.

والأهم أن خطاب الوزارة تغيّر.

رجّي يقول علنًا إن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حكرًا على مؤسسات الدولة. ويؤكد أن حصر السلاح بيد القوات المسلحة قرار لا رجوع عنه. كما يرفض استمرار وجود قوة مسلّحة موازية للجيش، ويشدّد على استقلال المسار اللبناني عن القرار الإيراني.

وفي الجامعة العربية، عادت الخارجية لتضع لبنان بوضوح إلى جانب الدول العربية في مواجهة الانتهاكات الإيرانية، بالتوازي مع مطالبتها بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

إذًا، الخارجية ليست غائبة.

قد يختلف التيار مع يوسف رجّي. ومن حقه أن ينتقد أداءه ومواقفه. لكن من الصعب أن يعطي دروسًا في الحضور الدبلوماسي من دون أن يتذكّر سجلّ الوزارة خلال السنوات التي كان فيها في قلب السلطة.

المشكلة ربما ليست في أن الخارجية اختفت.

المشكلة أن الخارجية تغيّرت.

انتقلت من وزارة كانت تضطرّ إلى شرح عجز الدولة عن ضبط السلاح، إلى وزارة تقول للعالم إن السلاح والقرار والحرب والسلم يجب أن تكون كلها في يد الدولة.

ولعل هذا بالتحديد ما يستحق أن يسأل عنه التيار قبل أن يسأل: أين وزارة الخارجية؟