تذاكي بري المكشوف: نزع سلاح الحزب الإيراني جنوب الليطاني فقط؟

قال الرئيس نبيه بري إن الولايات المتحدة الأميركية، ورئيسها دونالد ترامب تحديدًا، هما الوحيدان القادران على إلزام إسرائيل بإنهاء الحرب ووقف إطلاق النار والانسحاب إلى الحدود الدولية في الجنوب، مضيفًا أنه عندها يضمن انتشار الجيش اللبناني فورًا في جنوب الليطاني، بحيث يكون القوة الأمنية الوحيدة في المنطقة، والجهة الوحيدة التي تملك السلاح فيها، بما يسمح لأهل الجنوب بالعودة وإعادة الإعمار.

هذه الفكرة التي يطرحها الرئيس بري ملغومة من أساسها، لأنها توحي بأن المشكلة تكمن في السلاح الموجود جنوب الليطاني، فيما المشكلة الفعلية هي وجود سلاح وتنظيم عسكري وأمني خارج الدولة في كل لبنان.

ثم إن الرئيس بري يتحدّث وكأنه يملك القدرة على ضمان التزام الحزب الإيراني بأي تعهّد. وهذه النقطة تحديدًا أثبتت الوقائع عكسها. فقد سبق أن قال إنه أخذ ضمانة من حزب الله بأنه لن يرد على إسرائيل في حال استهدفت الولايات المتحدة إيران، ونقل هذا الالتزام إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والأميركيين والسعوديين. لكن الحزب الإيراني ردّ، ولم يسأل الرئيس بري ولا عن الضمانة التي قال إنه حصل عليها.

فكيف يمكن لواشنطن أن تتعامل مع تعهدات لا يملك أصحابها القدرة على تنفيذها؟

الأخطر في كلام بري هو حصر البحث بالسلاح جنوب الليطاني. فهل اكتشف اللبنانيون اليوم أن المطلوب فقط إزالة السلاح من هذه المنطقة؟ وماذا عن بقية لبنان؟ هل يصبح سلاح الحزب الإيراني شرعيًا ومقبولًا شمال الليطاني، في البقاع وبيروت وجبل لبنان والشمال، لمجرد أنه جرى البحث في نزعه جنوب الليطاني؟

هنا تكمن عملية التذاكي.

واللافت أن الجيش اللبناني كان قد أعلن أن جنوب الليطاني أصبح خاليًا من السلاح غير الشرعي، فإذا بالوقائع تكشف لاحقًا وجود ترسانة وأنفاق ومنظومة عسكرية في المنطقة نفسها. وهذا بحدّ ذاته يؤكد أن القضية ليست قضية انتشار الجيش في الجنوب فحسب، بل قضية إنهاء منظومة عسكرية وأمنية كاملة تعمل خارج الدولة.

لذلك، لا ينبغي للولايات المتحدة الأميركية أن تتوقّف عند كلام الرئيس بري لا من قريب ولا من بعيد. المطلوب واضح: إنهاء سلاح الحزب الإيراني في كل لبنان، وليس جنوب الليطاني فقط، وحل تنظيمه العسكري والأمني في كل الأراضي اللبنانية، بحيث يصبح الجيش اللبناني القوة المسلّحة الوحيدة التي تحمي اللبنانيين وتقرّر السلم والحرب.

أما اختزال المسألة بجنوب الليطاني، فهو محاولة لإبقاء سلاح الحزب الإيراني وتنظيمه العسكري والأمني في بقية لبنان، تحت عناوين مختلفة.

وبهذا المعنى، أصبح دور الرئيس بري مكشوفًا أكثر من أي وقت مضى: الدفاع عن الحزب الإيراني، والدفاع عن سلاحه، ومحاولة إدارة النقاش الدولي حول كيفية الإبقاء عليه، بدلًا من الانتقال إلى جوهر القضية، أي قيام دولة لبنانية واحدة، بجيش واحد، وسلاح واحد، وقرار واحد.