شارل جبّور
هناك حاجة اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم العمالة في لبنان من أساسه، لأن هذا المفهوم استُخدم طوال عقود لقلب الحقائق وتحويل الضحية إلى متهم، وصاحب الفعل إلى صاحب حق، ومن قام بردّ الفعل إلى “عميل”. فالتمييز الأساسي هو بين الفعل وردّ الفعل. عندما يدخل سارق مسلّح إلى منزل مواطن، لا يُسأل صاحب المنزل لماذا أطلق النار عليه. لقد أطلق النار دفاعًا عن نفسه وعن عائلته ووجوده، بعدما تعرّض لاعتداء مباشر. وردّ الفعل هنا لا يجعله شريكًا للسارق، بل يجعله مدافعًا عن نفسه.
والأمر نفسه ينطبق على السياسة والوطن. عندما يُهدَّد لبنان في كيانه ودولته ودستوره وسيادته، وعندما يُفرض عليه مشروع إقليمي يتجاوز إرادة اللبنانيين، وعندما يُخرق التفاهم الذي قام عليه البلد، يصبح البحث عن وسائل لمواجهة هذا المشروع ردّ فعل دفاعيًا، لا عمالة.
من هنا، يجب أن تتغيّر زاوية قراءة التاريخ اللبناني. المشكلة ليست في من اضطر إلى التقاطع مع دولة أو جهة إقليمية لمواجهة خطر يهدّد وجود لبنان أو جماعة لبنانية أو الدولة اللبنانية نفسها. المشكلة في من أطلق المشروع الذي حوّل لبنان إلى ساحة، ومن أسقط منطق الدولة، ومن استقدم المشاريع الخارجية إلى الداخل اللبناني، ومن وضع لبنان في خدمة أجندات لا علاقة لها بمصلحته الوطنية.
فالعمالة تُقاس بالفعل الذي بدأ الأزمة، لا بردّ الفعل الذي نتج عنها. ومن هذه الزاوية، يصبح ضروريًا إعادة قراءة المراحل الثلاث الكبرى التي ضربت لبنان: مشروع الدولة البديلة، والمشروع الأسدي، والمشروع الإيراني.
ففي ستينات وسبعينات القرن الماضي، جرى ضرب ركائز الدولة اللبنانية، ركائز دولة 1943، من أجل تحويل لبنان إلى منصّة لاستهداف إسرائيل، خلافًا لاتفاقية الهدنة وخلافًا لاتفاق اللبنانيين على تحييد لبنان. فسقط البلد في أتون حروب لم تنتهِ بعد. ولولا هذا المشروع، ومن وقف معه ومن سانده، لما سقط لبنان.
وبالتالي، فالعميل هو من أسقط لبنان، ومن بادر إلى إسقاطه وإسقاط التفاهمات التي قامت عليها الجمهورية، وليس من حاول البحث عن حماية وجوده في مواجهة مشروع إقليمي هدفه تحويل لبنان إلى دولة بديلة لمشروعه.
ومن دعم المشروع البعثي الأسدي، ونظّر له، وبرّر احتلاله للبنان، واعتبر أن وجود جيشه في لبنان هو وجود أخوي، ومن رفع شعار أن وجود الجيش الأسدي في لبنان “شرعي وضروري ومؤقت”، هو العميل الذي واصل تقويض أسس الدولة وركائزها، استكمالًا للمشروع الإقليمي الأول. وهو العميل الذي منع تطبيق اتفاق الطائف، وألحق لبنان بنظام الأسد. أما من واجه هذا المشروع، فهو الوطني واللبناني الأصيل.
وكل من دعم وجود سلاح خارج إطار الدولة تحت مسمّى “المقاومة”، التي تحوّلت إلى أداة إيرانية تخريبية وإرهابية، وكل من نظّر لـ”وحدة الساحات” و”جيش وشعب ومقاومة”، وكل من يتمسّك بالسلاح الإيراني، هو العميل الذي منع قيام دولة حقيقية بعد زوال الاحتلال الأسدي. وكل من وقف مع المشروع الإقليمي الإيراني هو العميل، وكل من ربط لبنان بإيران هو العميل، وكل من وقف ضد هذا المشروع هو الوطني واللبناني الأصيل.
هذه هي المشاريع التي ضربت لبنان في الصميم. أما من قاومها، ومن بحث عن حماية لبنان في مواجهة تمدّدها، ومن اضطر إلى بناء تفاهمات أو تقاطعات إقليمية لوقفها، فلا يمكن وضعه في خانة العمالة. والدليل أن الأكثرية الساحقة من اللبنانيين عادت تتحدث اليوم عن اتفاقية الهدنة، فيما لو لم تُسقط بالأمس، لما سقط لبنان في أتون الحروب التي عرفها.
ولا يمكن، بأي شكل من الأشكال، وضع من بدأ بالاعتداء على الدولة اللبنانية، ومن ساند أحد المشاريع الإقليمية الثلاثة التي دمّرت لبنان، في المنزلة نفسها مع من كان يردّ على هذا الاعتداء. وهنا تحديدًا تكمن الحاجة إلى تصحيح السردية.
لا يجوز أن يُختزل تاريخ لبنان في رواية تقول إن كل من تواصل مع الخارج هو “عميل”، فيما يُعفى من المسؤولية كل من أدخل مشروعًا خارجيًا إلى لبنان ودمّر الدولة تحت شعارات بالية وكاذبة وخشبية، من قبيل المقاومة أو التحرير أو إسقاط نظام سياسي. المعيار الحقيقي هو أن كل من تعاون مع مشروع خارجي لإسقاط الدولة اللبنانية وتحويلها إلى دولة بديلة أو ساحة إقليمية هو الذي يجب أن يُسأل عن عمالته، لا من اضطر إلى الاستعانة بالخارج لمواجهة هذا المشروع.
لقد آن الأوان لقلب المعادلة المفاهيمية: العميل هو من أسقط الدولة اللبنانية منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، ووضع لبنان في خدمة مشروع الدولة البديلة، لا من حاول إنقاذ لبنان من الخارج ووقف ضد تحويله إلى منصّة لاستهداف إسرائيل وتدمير لبنان.
العميل هو من أسقط الدولة، لا من دافع عنها. العميل هو من صادر القرار اللبناني، لا من قاتل لاستعادته. العميل هو من حوّل لبنان إلى منصّة، لا من حاول إعادة لبنان إلى دولته.
وعليه، فإن أي قراءة جدّية للتاريخ اللبناني يجب أن تبدأ من السؤال التالي: من بدأ الحرب على الدولة اللبنانية؟ ومن أسقط دولة الاستقلال الأول في العام 1943، ودولة الاستقلال الثاني مع اتفاق الطائف، ودولة الاستقلال الثالث مع انتفاضة الاستقلال؟ ومن أسقطها تباعًا: الثورة الفلسطينية، والمشروع الأسدي، والثورة الإيرانية؟
عندها فقط يمكن أن نعرف فعلًا من كان عميلًا ومن كان وطنيًا. فالتاريخ لا يجب أن يُقرأ من زاوية ردّ الفعل، بل من خلال تحديد من قام بالفعل أولًا، ومن هدم الدولة، ومن استدعى المشاريع الخارجية الثلاثة، ومن حوّل لبنان إلى ساحة صراع إقليمي.
وهؤلاء، لا سواهم، هم الذين يتحمّلون مسؤولية الكارثة اللبنانية، وهم وحدهم العملاء.




