جعجع للخريجين وبناء البيت الكبير قبل البيت الصغير

بالفيديو: جعجع للخريجين ابنوا البيت الكبير قبل البيت الصغير

آب 4, 2026
نعيم قاسم ودمشق

نعيم قاسم ودمشق: قبل طلب اللقاء، قدّموا الاعتذار للشعب السوري أولًا

آب 4, 2026
جعجع للخريجين وبناء البيت الكبير قبل البيت الصغير

بالفيديو: جعجع للخريجين ابنوا البيت الكبير قبل البيت الصغير

آب 4, 2026
نعيم قاسم ودمشق

نعيم قاسم ودمشق: قبل طلب اللقاء، قدّموا الاعتذار للشعب السوري أولًا

آب 4, 2026

في 4 آب… نعيم قاسم يطالب بالتحقيق وينسى من حاربوه

في كلمته خلال إحياء أربعين الإمام الحسين في بعلبك، لم يقدّم الشيخ نعيم قاسم قراءة لبنانية لما يواجهه البلد، بل أعاد تقديم الرواية نفسها التي تجعل إيران صاحبة الفضل، والسلاح خارج الدولة مصدر القوة، والسلطة اللبنانية مسؤولة عن كل خسارة، فيما يُعفى المشروع الذي صادر قرار الحرب من أي محاسبة.

قال قاسم إن المفاوضات المباشرة لم تجلب للبنان سوى «العار والذل والخيبة والتنازلات». لكن الخطابات لا تلغي الوقائع. فالمفاوضات أفضت في 26 حزيران 2026 إلى توقيع اتفاق إطار هدفه المعلن إنهاء الاحتلال واستعادة وحدة الأراضي اللبنانية، ثم أنتجت جولة روما اتفاقًا مبدئيًا على تحديد منطقتين لبدء تجربة الانسحاب، مع انتقال النقاش إلى آليات التنفيذ وانتشار الجيش. قد يكون التقدّم محدودًا، وقد يبقى التنفيذ معرضًا للتعطيل، لكنه ليس «لا شيء» كما حاول قاسم تصويره.

وللمفارقة، الرجل الذي يصف التفاوض بالذل يريد إقناع اللبنانيين بأن خلاصهم سيأتي من مذكرة تفاهم أميركية ـ إيرانية. أي إن التفاوض يصبح خيانة عندما تجريه الدولة اللبنانية، لكنه يتحول إلى انتصار عندما تعقده طهران مع واشنطن وتضع لبنان بندًا في حساباتها.

فهل الاعتراض على التفاوض، أم على أن تتولى الدولة اللبنانية التفاوض باسم لبنان؟

يزعم قاسم أن إيران أوقفت الحرب، وأن «المقاومة» كسرت الاندفاعة، وأن مذكرة التفاهم ستؤدي إلى الانسحاب. في خطاب واحد، وزّع الانتصار بين إيران والسلاح، لكنه لم يشرح لماذا بقي لبنان بحاجة إلى مفاوضات الدولة إن كانت طهران قد حسمت الأمر، ولا لماذا استمر القصف والتوغل والتهجير إذا كان المشروع الذي يدافع عنه قد حقق النصر.

المشكلة ليست في أن يطالب أي لبناني بانسحاب إسرائيل الكامل. هذا مطلب وطني لا يحتكره حزب ولا طائفة. المشكلة في تحويل الجنوب إلى حجة دائمة للإبقاء على جيش موازٍ، ثم استخدام النتائج التي أنتجها هذا المسار لإدانة الدولة لأنها تحاول معالجة الكارثة التي لم تقررها.

يطلب قاسم من السلطة تقوية الجيش، ويعلن تأييده لانتشاره جنوب الليطاني. لكن ماذا يعني تقوية الجيش مع الاحتفاظ بسلاح مستقل وقيادة مستقلة وقرار منفصل؟ وكيف يستطيع الجيش ممارسة سلطته كاملة عندما يصرّ طرف داخلي على تحديد زمن الحرب، وشروط التهدئة، وحدود السيادة، ثم يطلب من المؤسسة العسكرية أن تنتشر تحت سقف هذه المعادلة؟

لا يمكن الترحيب بالجيش بوصفه شريكًا ميدانيًا، ثم رفضه بوصفه صاحب السلاح الشرعي الوحيد.

ولا يمكن المطالبة بسيادة كاملة على الأرض مع التمسك بقرار عسكري ناقص السيادة.

أما أخطر ما ورد في الخطاب، فهو إعلان قاسم أن حزبه سيواجه «من ينخرط في المشروع الإسرائيلي» كما يواجه إسرائيل. العبارة ليست دعوة إلى الوحدة، بل تهديد سياسي مفتوح يتيح للحزب تصنيف خصومه اللبنانيين ووضعهم في خانة العدو. وبعدها مباشرة، يتحدث الرجل نفسه عن الحرص على الوحدة الداخلية ويتهم رئيس الجمهورية بأنه أصبح «طرفًا ومفرّقًا».

من يهدد اللبناني المختلف معه لا يحق له إعطاء دروس في الجمع.

ومن يقسم اللبنانيين بين «مقاومة» و«منخرطين في مشروع العدو» لا يستطيع اتهام رئيس الجمهورية بالتفريق لمجرد أن الرئيس يتمسك بسلطة الدولة وحصرية دور الجيش. وقد أكد الرئيس جوزاف عون مرارًا أن التفاوض ليس تنازلًا أو استسلامًا، بل وسيلة لاستعادة الحقوق وإنهاء الاحتلال، وأن الجيش هو الضامن الوحيد للأمن الوطني.

ثم جاءت المفارقة الأكثر قسوة عشية ذكرى 4 آب. دعا قاسم السلطة إلى الاهتمام بالمرفأ والتحقيق وإنصاف الناس، كأن اللبنانيين نسوا الحملة التي قادها الحزب الإيراني ضد المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، واتهام التحقيق بالتسييس، والضغط لتنحية القاضي، فيما رفض حلفاء الحزب المثول أمامه.

في عام 2021، طالب وزراء الحزب وحركة أمل بإقالة البيطار، وتعطلت جلسة حكومية بسبب هذا الملف. وفي الفترة نفسها، أعلن نائبان من حلفائهما أنهما لن يمثلا أمام المحقق، فيما صدرت مواقف تتهمه بالاستنسابية والاستهداف السياسي. أما اليوم، وبعد أن ختم البيطار تحقيقه وأحال ملفًا يضم نحو سبعين مدعى عليه إلى النيابة العامة التمييزية، يأتي قاسم ليطالب الدولة بـ«تحقيق المرفأ» وكأنه كان من حُماته لا من أبرز مهاجميه.

هذه ليست مراجعة سياسية، بل محاولة لإعادة كتابة الذاكرة اللبنانية.

ومن التناقضات أيضًا أن قاسم قدّم إيران بوصفها الدولة المنتصرة وصاحبة الفضل في حماية لبنان، ثم أعلن أن حزبه مستعد للقاء القيادة السورية، بعد سنوات شارك خلالها في الحرب السورية إلى جانب النظام السابق. مرة جديدة، المطلوب من اللبنانيين أن ينسوا الأثمان، وأن يتعاملوا مع كل انتقال جديد بوصفه دليل حكمة لا نتيجة فشل.

حتى قوله إن «أكثرية الشعب اللبناني» تؤيد المقاومة لم يستند إلى انتخابات أو استطلاع أو تفويض وطني. إنها أكثرية يعلنها بنفسه، ثم يبني عليها حق الاحتفاظ بالسلاح والقرار. لكن الشرعية في الدول لا تُستخرج من المنابر، ولا تُقاس بحجم الحشود في مناسبة حزبية؛ بل تُحدَّد بالدستور والمؤسسات وصناديق الاقتراع.

خطاب نعيم قاسم لم يكن دفاعًا عن سيادة لبنان، بل دفاعًا عن موقع الحزب داخل أي تسوية مقبلة. هو يريد حوارًا مع الدولة، لكن ليس على قاعدة تسليمها القرار، بل على قاعدة اعترافها بالشريك المسلح. يريد جيشًا قويًا، شرط ألّا يكون القوة الوحيدة. يريد تحقيقًا في المرفأ، شرط تجاهل من حاربوا المحقق. ويريد وحدة وطنية، شرط أن تُبنى وفق تعريفه للوطنية والعدو والانتصار.

أما لبنان الذي يحتاجه الناس، فمختلف تمامًا: دولة تفاوض باسمهم، وجيش يحمي أرضهم، وقضاء يستدعي الجميع، وسيادة لا تستمد قوتها من مذكرة إيرانية ولا من سلاح خارج المؤسسات.

المفاوضات قد تنجح أو تفشل، والاتفاقات قد تُنفَّذ أو تُخرق. لكن البديل ليس العودة إلى المعادلة التي وضعت لبنان تحت رحمة القرار الإيراني.

فالعار الحقيقي ليس أن تفاوض الدولة لاستعادة أرضها.
العار أن تُمنع الدولة من امتلاك قرارها، ثم تُحاسب على النتائج.