
ستريدا جعجع… حين تتحوّل السياسة إلى إنماء
أغسطس 2, 2026
المهم ليس من يدمِّر الأنفاق، بل أن تُدمّر
أغسطس 2, 2026شارل جبّور
دخل لبنان وإسرائيل مرحلة من المفاوضات المباشرة، التي تُوِّجت حتى الآن باتفاق إطار يرسم المعالم السياسية والعسكرية للمرحلة المقبلة، وصولًا إلى هدفين متلازمين: سلام بين البلدين، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بعد إنهاء الوضعية العسكرية والأمنية للحزب الإيراني في لبنان.
لكن، وسط الانشغال بتفاصيل التفاوض وتقنياته، يغيب السؤال الأبرز: ما هو الموضوع الأهم الذي يجب أن يُبحث بين لبنان وإسرائيل؟
الجواب ليس ترسيم الحدود، ولا الانسحاب، ولا حتى السلام نفسه، على رغم أهمية هذه العناوين وغيرها، بل كيفية منع سقوط الدولة اللبنانية مرة أخرى.
فلبنان لم يتحول إلى ساحة مواجهة مع إسرائيل لأن الدولة قررت ذلك، بل لأن الدولة سقطت، وحلّت مكانها قوى مسلحة فرضت قرارها على اللبنانيين، وحوّلت بلادهم إلى منصة لحروب الآخرين. ومنذ ذلك الحين، واجهت إسرائيل واقعًا نشأ نتيجة انهيار الدولة وسيطرة السلاح غير الشرعي على قرارها. وبالتالي، فإن أولوية الأولويات بين لبنان وإسرائيل يجب أن تتركز حول كيفية منع سقوط الدولة اللبنانية مجددًا، لأنه لم يكن من قبيل المصادفة أن يؤدي إسقاط الدولة إلى إسقاط اتفاقية الهدنة، ما يعني أن الممر لاستهداف إسرائيل يبدأ بإسقاط الدولة في لبنان أو تعطيلها. والسؤال الذي يجب أن يُطرح هو: ما هي السبل الكفيلة بمنع سقوط الدولة اللبنانية؟ ومن هي الجهة الضامنة لهذا الأمر؟ إذ لا يمكن الرهان على اللحظة الحالية، مهما بلغت الرغبة في إنهاء الصراع بعد هزيمة محور الممانعة في لبنان والمنطقة، لأن أحدًا لا يستطيع أن يضمن عدم صعود قوة إقليمية جديدة، أو بروز زعيم متهور ومغامر، أو انخراط جماعة لبنانية في مشروع خارجي يعيد شل المؤسسات، فنعود إلى نقطة الصفر.
لقد أثبت التاريخ أن قوة المؤسسات وحدها لا تكفي. ففي ستينيات القرن الماضي كان لبنان يمتلك جيشًا قويًا، وأجهزة أمنية فاعلة، ودولة أكثر تماسكًا مما هي عليه اليوم، ومع ذلك نجحت القوى الإقليمية في شل الدولة وتحويل الأراضي اللبنانية إلى جبهة مفتوحة ضد إسرائيل. ولم تكن المشكلة في ضعف المؤسسات فحسب، بل في غياب توافق وطني يحصّن الدولة ويمنع استخدامها في مشاريع خارجية. ومن الخطيئة أيضًا الرهان على الضمانة المسماة “التوافق بين اللبنانيين”، لأن هذا التوافق قد ينهار عند أول منعطف.
كما أن طبيعة المجتمع اللبناني التعددية، وهي مصدر غنى في الظروف الطبيعية، قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا بقيت بعض الجماعات تعتبر نفسها جزءًا من مشاريع إقليمية تتقدم على المصلحة الوطنية. وعندها يصبح لبنان، مع كل تحول إقليمي أو دولي، معرضًا مرة جديدة لأن يُستخدم ساحة لتصفية الحسابات.
صحيح أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لخّص الواقع بدقة عندما قال إن لبنان وإسرائيل يواجهان المشكلة نفسها، أي الحزب الإيراني في لبنان، مع فارق أن مشكلة إسرائيل معه أمنية، بينما مشكلة لبنان معه سيادية. لكن هذه المعادلة تحتاج إلى استكمال بمعادلة أخرى لا تقل أهمية: إسرائيل لم تُستهدف لأن لبنان كان دولة قوية، بل لأن الدولة اللبنانية سقطت. وكلما سقطت الدولة، عاد خطر استهداف إسرائيل من الأراضي اللبنانية. لذلك، فإن السؤال الجوهري هو: ما الذي يجب فعله لمنع سقوط الدولة اللبنانية مرة أخرى؟
من هنا، فإن الضمانة الحقيقية لأي سلام ليست اتفاقية السلام بحد ذاتها، بل الدولة التي تحمي هذا السلام. والسؤال الذي يجب أن يكون في صدارة المفاوضات هو: من يضمن عدم سقوط الدولة اللبنانية مجددًا؟ ومن يضمن ألا تعود أي قوة إقليمية، بعد سنوات أو عقود، إلى استخدام لبنان منصة لمشروعها العسكري؟
ما يجب أن يكون موضع نقاش وتركيز أن استقرار لبنان ليس مصلحة لبنانية فحسب، بل هو أيضًا مصلحة إسرائيلية ودولية. عندما ينهار استقرار لبنان يُعاد استخدامه منصة لاستهداف إسرائيل. فالدولة اللبنانية القوية والمحمية إقليميًا ودوليًا تحمي سيادة لبنان، وتحمي في الوقت نفسه أي اتفاق سلام من الانهيار. أما إذا تُرك لبنان مجددًا فريسة للفراغ والسلاح غير الشرعي، فإن أي اتفاق سيبقى هشًا، لأن سقوط الدولة سيكون المدخل الطبيعي إلى إعادة إنتاج الصراع مع إسرائيل.
لهذا، فإن القضية الأهم التي يجب أن تبحثها المفاوضات ليست فقط كيف ينتهي النزاع، بل كيف يُمنع سقوط الدولة اللبنانية مرة أخرى. إن حماية إسرائيل لا تبدأ من اتفاقية سلام، بل من كيفية حماية الدولة اللبنانية من السقوط، ومن سيؤمِّن هذه الحماية؟ فهنا تبدأ المشكلة، وهنا أيضًا يبدأ الحل.




