مشروعين متناقضين وصراع الرؤى في لبنان

حين يستحيل الجمع بين مشروعين متناقضين

أغسطس 1, 2026
سقوط الدولة اللبنانية والمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

ما هو الموضوع الأهم الذي يجب أن يُبحث بين لبنان وإسرائيل؟

أغسطس 2, 2026
مشروعين متناقضين وصراع الرؤى في لبنان

حين يستحيل الجمع بين مشروعين متناقضين

أغسطس 1, 2026
سقوط الدولة اللبنانية والمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

ما هو الموضوع الأهم الذي يجب أن يُبحث بين لبنان وإسرائيل؟

أغسطس 2, 2026

ستريدا جعجع… حين تتحوّل السياسة إلى إنماء

في لبنان، يسهل على السياسي أن يرفع سقف خطابه، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما ينطفئ وهج المنابر ويعود الناس إلى حاجاتهم اليومية: مستشفى يعمل، ومزارع يجد سوقاً لإنتاجه، وطريق لا يعزل بلدة، ومشروع يحفظ التراث ويمنح أبناء المنطقة سبباً إضافياً للبقاء فيها. من هذا المكان، يمكن قراءة تجربة النائب ستريدا جعجع في قضاء بشرّي. فحضورها السياسي لم يبقَ محصوراً في المواقف الوطنية، بل اقترن بعمل إنمائي متراكم يسعى إلى جمع الدولة والبلديات والقطاع الخاص والاغتراب حول حاجات المنطقة. وهي مقاربة لا تتعامل مع الإنماء كخدمة ظرفية، بل كجزء من مسؤولية النائب تجاه الناس الذين منحوه ثقتهم.

في القطاع الصحي، لم تكتفِ ستريدا جعجع بمتابعة تطوير مستشفى أنطوان الخوري ملكه طوق الحكومي وتجهيزه، بل التقت مطلع عام 2026 طلاب الطب من أبناء بشرّي، وناقشت معهم مستقبل القطاع الصحي ودورهم في خدمته. وكان واضحاً أن الهدف يتجاوز التشجيع المعنوي إلى ربط الكفاءات الطبية الشابة بالمستشفى وحاجات القضاء، بما يحدّ من خسارة الطاقات بسبب الهجرة أو انتقالها الدائم إلى خارج المنطقة.
فالاستثمار في مستشفى لا يكتمل بشراء المعدات وحدها. المؤسسة تحتاج إلى أطباء وممرضين وإدارة وكفاءات قادرة على تشغيلها وتطويرها. ومن هنا تأتي أهمية التفكير بالمستشفى كمنظومة متكاملة، لا كمبنى يُفتتح ثم يُترك لمواجهة مشكلاته وحده.

وفي قضاء يشكّل التفاح ركناً أساسياً من اقتصاده، وضعت جعجع هذا الموسم في صدارة متابعتها. وبناءً على دعوتها، عُقد اجتماع موسّع مع وزير الزراعة نزار هاني ورؤساء البلديات والجهات المعنية، للبحث في تسويق الإنتاج وفتح أسواق جديدة أمامه، ولا سيما في مصر والعراق ودول عربية أخرى.

لم تكن المسألة رقماً زراعياً فحسب، بل قضية تمسّ دورة اقتصادية كاملة. فخلف كل صندوق تفاح عائلة تنتظر موسماً ناجحاً، وعامل يعتمد على الحصاد، وتاجر ومؤسسة محلية وقرية تحتاج إلى استمرار أبنائها فيها. لذلك، فإن حماية الزراعة في بشرّي تعني عملياً حماية قدرة الناس على البقاء في أرضهم.

وفي وادي قنوبين، تابعت ستريدا جعجع مشروع تأهيل الطريق الممتدة من ساحة شركة كهرباء قاديشا إلى مفرق دير سيدة قنوبين، بطول يقارب 4.5 كيلومترات، وعملت مع شخصيات كنسية واغترابية على تأمين التمويل اللازم له. كما شمل البحث تأهيل عدد من المنازل وفق المعايير المعتمدة من الأونيسكو، حفاظاً على الطابع المعماري للوادي وعلى وجود سكانه فيه.

وهنا أيضاً، لا يقتصر المشروع على تحسين طريق. إنّه يتصل بتثبيت الأهالي، وتنشيط السياحة الدينية والثقافية، وحماية واحد من أهم المواقع الروحية والتراثية في لبنان. فالتراث لا يُصان بإدراجه على اللوائح الدولية فقط، بل بإبقائه حياً ومأهولاً ومتاحاً للناس.

ستريدا جعجع ومهرجانات الأرز

أما مهرجانات الأرز الدولية، فتمثّل وجهاً آخر لهذا المشروع الإنمائي. حين أعادت ستريدا جعجع إطلاقها عام 2015 بعد توقف استمر نحو خمسين عاماً، لم يكن الهدف تنظيم حفلات فنية موسمية وحسب، بل إعادة بشرّي والأرز إلى الخريطة الثقافية والسياحية، واستقطاب الزوار، وتحريك الفنادق والمطاعم والمؤسسات المحلية، وتقديم صورة لبنان الذي يتمسّك بالفن والجمال والحياة.

استمرت المهرجانات بين عامي 2015 و2018، قبل أن تتوقف عام 2019 مع اشتداد الأزمات الاقتصادية والمالية، فيما اتجهت الجهود إلى استكمال تأهيل مستشفى بشرّي الحكومي. وفي عام 2025، أعادت جعجع إطلاق المهرجانات بحضور رسمي وثقافي واسع، مؤكدة أن المنطقة قادرة على استعادة دورها السياحي والفني، وأن الاستثمار في الثقافة ليس منفصلاً عن إنعاش الاقتصاد المحلي.

أما تأجيل دورة عام 2026، فلم يكن تراجعاً عن المشروع ولا إلغاءً له، بل قراراً فرضته الظروف القاهرة والدقيقة التي يمر بها لبنان. فقد أعلنت لجنة مهرجانات الأرز وقف بيع البطاقات وإعادة كامل أثمان البطاقات المباعة، حرصاً على سلامة الجمهور والفنانين والعاملين، مع التطلع إلى عودة المهرجان في صيف 2027 ضمن ظروف أكثر أمناً واستقراراً.

وفي هذا القرار دلالة لا تقل أهمية عن قرار الإطلاق نفسه. فالمسؤولية لا تظهر فقط في القدرة على إقامة حدث كبير، بل أيضاً في معرفة متى يصبح تأجيله هو الخيار الأكثر احتراماً للناس وللظروف الوطنية. وقد حافظت اللجنة بذلك على قيمة المهرجان ومعناه، بدلاً من التعامل معه كموعد يجب تنظيمه مهما كانت الكلفة.

إلى جانب هذه الملفات، تبرز متابعة الطرق الجبلية وجرف الثلوج والتنسيق بين البلديات في القضايا الخدماتية والبيئية. قد تبدو هذه التفاصيل أقل حضوراً من المشاريع الكبيرة، لكنها بالنسبة إلى أهالي المناطق الجبلية تحدد قدرتهم على التنقل والعمل، وتحمي موسمهم السياحي، وتمنع عزلهم خلال الشتاء.

ما يجمع هذه المبادرات هو منهج في العمل: تحديد المشكلة، جمع الجهات المختصة، البحث عن التمويل، ثم متابعة التنفيذ. فالسياسة هنا لا تنفصل عن الإدارة، والإنماء لا يقوم على استبدال الدولة، بل على دفع مؤسساتها إلى تحمّل مسؤولياتها والاستفادة من قدرات البلديات والاغتراب والمجتمع المحلي.

لا تحتاج ستريدا جعجع إلى لقب كبير كي تثبت حضورها. ما تقوله الملفات أكثر صدقية من أي توصيف: مستشفى يُدعَم ويُربط بطاقات المنطقة الشابة، ومزارعون تُتابَع أسواق إنتاجهم، ووادي يُحمى بأهله وتراثه، ومهرجان أعاد الحياة إلى الأرز قبل أن يُؤجَّل بمسؤولية عندما تبدلت الظروف.

هذه هي السياسة عندما تتحول إلى إنماء: لا تكتفي بصناعة الموقف، بل تذهب إلى حيث يعيش الناس وتبدأ من أولوياتهم. وفي بشرّي، قدّمت ستريدا جعجع نموذجاً لعمل عام يُقاس بما يتركه على الأرض، وبقدرته على الجمع بين الدولة والمبادرة، وبين حماية الهوية وصناعة المستقبل.