
الأذرع الإيرانية تحت النار والسعودية تنتقل إلى الهجوم
يوليو 30, 2026
4 آب يدخل عامه السابع… متى يبدأ المتهمون مواجهة القضاء؟
يوليو 31, 2026شارل جبّور
صحيح أن إسرائيل لم تدخل الحرب الأخيرة دفاعًا عن لبنان أو حرصًا على اللبنانيين، بل دفاعًا عن أمنها ومصالحها بعدما أعلن “الحزب الإيراني” الحرب عليها في الثامن من تشرين الأول 2023. وصحيح أيضًا أنها، منذ تسعينيات القرن الماضي، ساهمت في تثبيت قواعد اشتباك مع الحزب، من حرب 1993 إلى تفاهم نيسان 1996، وصولًا إلى واقع ما بعد حرب 2006 الذي أرسى هدوءًا استثنائيًا على الحدود، وأفضى إلى ترسيمها الحدود معه واعتراف الحزب بالمقابل بإسرائيل. كما أن انسحابها من جنوب لبنان عام 2000 شكّل فرصة لإنهاء الصراع، لكن الحزب، تنفيذًا للمشروع الإيراني، رفض إقفال صفحة الحرب، لأن استمرار المواجهة كان شرطًا لاستمرار دوره الإقليمي، كما كان يخدم النظام الأسدي في إبقاء لبنان ساحة مفتوحة لا دولة مستقلة.
كل ذلك صحيح.
لكن الصحيح أيضًا أن نتائج الحرب الأخيرة غيّرت لبنان والمنطقة على نحو لم يكن متوقعًا. فلولا الضربة التي تلقاها المشروع الإيراني، لما كان ممكنًا انتخاب الرئيس جوزاف عون خارج إرادة هذا المشروع، ولا تكليف نواف سلام تشكيل الحكومة، ولا ولادة حكومة بأكثرية وزارية لا تخضع له، ولا إطلاق مسار تفاوض مع إسرائيل، ولا استعادة الدولة جزءًا من قرارها السيادي.
وليس من قبيل المصادفة أن نظام بشار الأسد سقط في الثامن من كانون الأول 2024، أي بعد أقل من أسبوعين على وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني، بعدما فقد أحد أهم أعمدته العسكرية والإقليمية المتمثلة في الميليشيات الإيرانية. ومن الصعب إنكار الترابط بين إضعاف المشروع الإيراني وسقوط أحد أبرز أركانه.
والتاريخ يقدم شواهد يصعب تجاهلها. ففي عام 1982، دخلت إسرائيل لبنان انطلاقًا من حساباتها الأمنية والعسكرية، لكنها كانت القوة الوحيدة القادرة على إنهاء الوجود العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. ولولا انسحابها عام 2000، لما توافرت الظروف التي انتهت بخروج الجيش الأسدي من لبنان عام 2005. ولولا الحرب التي أشعلها حسن نصرالله في إطار إسناد غزة، لما وُجدت القوة القادرة على توجيه الضربة التي دمّرت القسم الأكبر من القدرات العسكرية للحزب الإيراني في لبنان.
لقد شهد لبنان خلال نصف قرن ثلاثة مشاريع إقليمية حوّلته إلى ساحة: المشروع الفلسطيني المسلح، ثم المشروع الأسدي، وأخيرًا المشروع الإيراني. وكل مشروع صادر قرار الدولة، وعطّل مؤسساتها، وحوّل البلد إلى ساحة فوضى وحروب، وربط لبنان بصراعات لا علاقة له بها. والوقائع تقول إن القوة الأساسية التي أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنهاء هذه المشاريع كانت إسرائيل، ليس لأنها أرادت إنقاذ لبنان، بل لأنها كانت تدافع عن أمنها ومصالحها. إلا أن النتيجة بالنسبة إلى اللبنانيين كانت فتح نافذة تاريخية لاستعادة الدولة الفعلية.
إن القفز فوق هذه الوقائع هو قفز فوق التاريخ نفسه. فقد دفع لبنان أثمانًا باهظة لأنه رفض مرارًا قراءة التحولات كما هي، لا كما تمنى أن تكون. وإذا كانت الحرب الأخيرة قد غيّرت موازين القوى وأسقطت مشروعًا إقليميًا كاد يبتلع لبنان نهائيًا، فمن الطبيعي أن يُبنى على هذه المتغيرات، لا أن يُتعامل معها وكأنها لم تقع.
لقد أثبتت التجربة أن لبنان لم يخسر بسبب السلام، بل بسبب الحروب التي فُرضت عليه خدمةً لمشاريع إقليمية توسعية. أما اتفاقية الهدنة عام 1949، فقد شكّلت نموذجًا ناجحًا في تنظيم العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل، ولم تسقط لأن إسرائيل قررت إسقاطها، بل لأنها انهارت عمليًا عندما عجزت الدولة اللبنانية عن منع قوى الأمر الواقع من استخدام الأراضي اللبنانية منصةً لاستهداف أمن إسرائيل.
لقد آن الأوان للاعتراف بالوقائع والتعامل معها بعقلانية. فبمعزل عن أن إسرائيل خاضت حروبها دفاعًا عن مصالحها، فإن هذه الحروب أنهت ثلاثة مشاريع إقليمية استوطنت لبنان وحوّلته إلى ساحة، وفتحت أمام اللبنانيين فرصة تاريخية لاستعادة دولتهم. وإذا كان لبنان قد أضاع فرصًا سابقة، فليس من مصلحته أن يضيّع الفرصة الحالية أيضًا.
إن مصلحة لبنان تقتضي الانتقال من منطق الحرب إلى منطق السلام، ومن إدارة الصراع إلى بناء الدولة، ومن الارتباط بمحاور إقليمية توسعية وتخريبية إلى ترسيخ سيادة الدولة ومصالح اللبنانيين. كما تقتضي الإقرار بأن الدولة اللبنانية تتحمل مسؤولية أي حرب تُشن من أراضيها عندما تعجز عن احتكار قرار السلم والحرب، والإقرار أيضًا بأن لبنان الدولة الفعلية سقط بحجة الصراع مع إسرائيل، وأن قيامته تستدعي ليس فقط إسقاط هذه الحجة، بل السلام مع إسرائيل.
فالسلام مع إسرائيل يشكل خيارًا ينسجم مع مصلحته الوطنية العليا، ويمنح اللبنانيين فرصة تاريخية لبناء دولة مستقرة وسيدة ومزدهرة، بعد عقود من تحويل وطنهم إلى ساحة لصراعات الممانعة ومشاريعها الإرهابية والتخريبية. وكل من يرفض السلام اليوم يدافع عن بقاء لبنان ساحة لإيران. لا يمكن إنقاذ لبنان إلا بإسقاط وحدة الساحات والسلام مع إسرائيل.
شارل جبّور صحافي وكاتب ومحلّل سياسي لبناني، ورئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية. يمتلك خبرة طويلة في الصحافة والإعلام السياسي، وكتب في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية اللبنانية. تتمحور مقالاته ومداخلاته حول قضايا الدولة والسيادة والدستور والهوية اللبنانية، ويُعرف بمواقفه الواضحة وقراءته النقدية للتطورات السياسية في لبنان والمنطقة.
الحسابات الرسمية:
Facebook, X, YouTube, Instagram.




