إسرائيل ولبنان ومفاوضات روما

إذا كان أحد سيقاطع روما… فهي إسرائيل لا لبنان

يوليو 30, 2026
يوسف رجي ومن هو الميليشياوي الحقيقي

من هو الميليشياوي الحقيقي؟

يوليو 30, 2026
إسرائيل ولبنان ومفاوضات روما

إذا كان أحد سيقاطع روما… فهي إسرائيل لا لبنان

يوليو 30, 2026
يوسف رجي ومن هو الميليشياوي الحقيقي

من هو الميليشياوي الحقيقي؟

يوليو 30, 2026

أنطون الصحناوي سبق اللحظة السياسية

صحيح أن القوانين اللبنانية لا تزال تعتبر إسرائيل دولة عدوة، وأن أي تواصل معها يشكل مخالفة قانونية ما دامت هذه القوانين لم تُعدَّل. وهذه حقيقة قانونية لا خلاف عليها. لكن السياسة لا تُقاس بالنصوص وحدها، بل أيضًا بالوقائع التي تتغيّر، والتي تفرض إعادة قراءة المشهد كما هو، لا كما كان.

أولى هذه الوقائع أن المسار الذي انطلق مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل كشف حقيقة أساسية، وهي أن المشكلة لم تكن يومًا بين الدولة اللبنانية والدولة الإسرائيلية بحد ذاتها، بل إن العداء الذي تبناه لبنان تاريخيًا ارتبط أساسًا بالتضامن مع القضية الفلسطينية، وليس بنزاع مباشر بين الدولتين. كما أن لبنان استُخدم، على مدى عقود، من قبل قوى الأمر الواقع، خلافًا لقرار الدولة وتوجهاتها. وقد جرى التشديد في الجولات التفاوضية بين لبنان وإسرائيل على أن الهدف هو إنهاء العداء والانتقال إلى السلام، وأن مشكلتهما المشتركة تتمثل في الحزب الإيراني الذي يهدد أمن إسرائيل وينتهك سيادة لبنان. كما تحدث رئيس الجمهورية جوزاف عون، من البيت الأبيض، عن مسار ينتهي بالسلام، بما يعني أن الهدف المعلن أصبح إنهاء الحرب، لا تكريسها.

أما الحقيقة الثانية، فهي أن الطرف الذي استجلب إسرائيل إلى لبنان، وما زال يفعل، هو الحزب الإيراني في لبنان. فمنذ تأسيسه استخدم إسرائيل ذريعة لبناء تنظيمه العسكري والإبقاء على سلاحه خارج سلطة الدولة، مخالفًا الدستور والقرارات الدولية وقرارات الحكومة اللبنانية. وعندما انسحبت إسرائيل من لبنان عام 2000 سقطت ذريعة الاحتلال، لكن السلاح الإيراني بقي. وعندما اندلعت حرب تموز عام 2006، كانت نتيجة قرار منفرد من الحزب الإيراني بإعلان الحرب. وبعد السابع من تشرين الأول 2023، عاد الحزب إلى فتح الجبهة، فعادت إسرائيل إلى تنفيذ عمليات عسكرية داخل لبنان. وبالتالي، فإن المشكلة ليست في وجود إسرائيل بحد ذاته، بل في وجود تنظيم مسلح يربط لبنان بمشروع إيراني ويجرّه إلى حروب لا يريدها اللبنانيون.

أما الحقيقة الثالثة، فهي أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة تمامًا. فما كان يُعد من المحرمات السياسية بالأمس، أصبح اليوم جزءًا من النقاش العلني. ولو لم يتراجع نفوذ المحور الإيراني، وقبله سقوط النظام الأسدي، لما انتُخب الرئيس جوزاف عون، ولما كُلِّف الرئيس نواف سلام، ولما بدأت المفاوضات المباشرة أصلًا. لقد تبدلت موازين القوى، ومعها تبدلت طبيعة الخطاب السياسي.

في هذا السياق، يمكن فهم ما قام به أنطون الصحناوي. فهو لم يخترع مسارًا جديدًا، بل عبّر بصراحة وجرأة عن رأي باتت تتبناه شريحة واسعة من اللبنانيين، ترى أن الأولوية هي إنهاء الحرب مع إسرائيل، وبناء دولة طبيعية، والوصول إلى سلام يخرج لبنان من دوامة الصراعات. وإذا كان قد أثار الجدل، فلأن خطوته سبقت توقيتها السياسي فقط لا غير، لا لأنها تناقض الاتجاه العام الذي تسير إليه الأحداث، ولا لأنها تناقض التشخيص الواقعي لطبيعة الأزمة اللبنانية لجهة أن العدو الفعلي للبنان هو محور الشرّ الإيراني لا إسرائيل.

قد تبقى القوانين اللبنانية على حالها في هذه المرحلة، لكن القوانين ليست نصوصًا أبدية، بل هي من صنع البشر، وتتغيّر تبعًا لتبدّل إرادة الناس وخياراتهم وأولوياتهم. وإذا كانت الأولوية اليوم هي الوصول إلى السلام مع إسرائيل، فإن المسار التفاوضي الذي بدأ لن ينتهي إلا بتحقيق هذا الهدف، وهو ما سيؤدي، حتمًا، إلى تعديل القوانين أيضًا.

في النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه اللبنانيون بصدق: من هو العدو الذي يمنع قيام الدولة الحقيقية، ويصادر قرارها، ويجرّها إلى الحروب، ويعطل استقرارها وازدهارها؟
إذا كانت الإجابة هي المشروع الإيراني المسلح، فإن المشكلة الحقيقية ليست إسرائيل، بل هذا المشروع الذي استخدم إسرائيل، على مدى عقود، ذريعة للهيمنة على لبنان. وما يبدو اليوم خطوة متقدمة قام بها أنطون الصحناوي، قد يصبح غدًا جزءًا طبيعيًا من واقع سياسي جديد.