يا باسيل… قلتَها بنفسك: السلاح فشل، فمن غطّاه كل هذه السنوات؟

لم يكن أخطر ما قاله جبران باسيل في مجلس النواب هجومه على الحكومة، ولا كلامه عن الضرائب والكهرباء والبواخر، ولا حتى اتهامها بالعجز والاستسلام. الأخطر كان اعترافًا سياسيًا واضحًا خرج من فمه هو: “سلاح حزب الله ما عاد قادر يوقف الحرب ولا يحمي لبنان”. ثم ذهب أبعد من ذلك عندما أعلن أن التيار مع “حصرية السلاح بالكامل والقرار بيد الدولة، من بعد فشل حزب الله بالدفاع عن لبنان”.
حسنًا يا جبران باسيل. إذا كان السلاح قد فشل، فمن غطّى هذا السلاح طوال كل تلك السنوات؟
السؤال ليس للتشفي ولا لتصفية حساب قديم. هو سؤال سياسي بديهي، لأن باسيل لا يتحدث اليوم عن معادلة كان يقف ضدها منذ البداية. الرجل كان شريكًا أساسيًا في تفاهم مار مخايل، وتياره شكّل لسنوات أحد أبرز الأغطية السياسية والمسيحية للحزب وسلاحه. دافع عن التفاهم، وبرّر استمراره، وبنى عليه تحالفات وتسويات وخيارات أوصلت الطرفين معًا إلى السلطة والنفوذ.
اليوم يقول باسيل إن السلاح لم يعد قادرًا على حماية لبنان. جميل. لكن متى تحديدًا اكتشف ذلك؟
هل اكتشفه بعد أن دخل لبنان حربًا جديدة ودفع الجنوب ثمنها قتلًا ودمارًا ونزوحًا؟ هل اكتشفه بعد أن باتت الدولة تفاوض لاستعادة أرضها ووقف الاعتداءات؟ أم بعدما سقطت عمليًا النظرية التي قيل للبنانيين لسنوات إنها تحميهم، فإذا بها عاجزة عن حماية الأرض ومنع الحرب؟
الأهم أن باسيل لم يكتفِ بتشخيص الفشل. هو نفسه قال إن تلال علي الطاهر كان يجب أن تُسلَّم إلى الجيش اللبناني، بدل أن تصبح الدولة اليوم في موقع من “يستعطي” تسلّمها. وهذا الكلام وحده يختصر المشكلة كلها: إذا كان الجيش هو من يجب أن يتسلّم الأرض، وإذا كانت الدولة هي من يجب أن تمسك القرار، فلماذا احتجنا أصلًا إلى كل هذه السنوات كي نصل إلى هذه البديهية؟
بل إن باسيل ذهب أبعد. قال إنه مع التفاوض مع إسرائيل لأن سلاح الحزب لم يعد قادرًا على وقف الحرب، وأعلن أنه مع اتفاق يحقق مصالح لبنان، وصولًا إلى حالة عدم اعتداء وحتى السلام. أي إن الرجل الذي كان شريكًا في تغطية معادلة “السلاح والمقاومة” يقول اليوم عمليًا إن الطريق لحماية لبنان يمر بالدولة والتفاوض، لا بالسلاح الموازي.
وهنا لا يعود السؤال موجهًا إلى الحكومة وحدها.
يصبح موجّهًا إلى باسيل نفسه.
إذا كنت مقتنعًا اليوم بأن السلاح فشل، فلماذا لا تقوم بالمراجعة كاملة؟ لماذا لا تقول للبنانيين إن الرهان عليه كان خطأ؟ لماذا لا تعترف بأن منح تنظيم مسلح غطاءً سياسيًا طويلًا ساهم في تأخير قيام الدولة التي تطالب بها اليوم؟
لا يكفي أن تقول إن السلاح فشل ثم تعود لتضع حول تسليمه سلسلة شروط وحوارات واستراتيجيات يمكن أن تتحول مجددًا إلى باب لتأجيل التنفيذ. فالنتيجة التي وصل إليها باسيل لا تحتاج إلى اكتشاف جديد: إذا فشل السلاح في حماية لبنان، وإذا كان الجيش هو من يجب أن يمسك الأرض، وإذا كان القرار يجب أن يكون بالكامل بيد الدولة، فالمطلوب تسليم السلاح إلى الدولة.
بكل بساطة.
وهذه ليست المرة الوحيدة التي يحاول فيها باسيل محاسبة الآخرين على نتائج مرحلة كان هو جزءًا أساسيًا منها.
في الجلسة نفسها، هاجم الحكومة في الكهرباء والبنزين والضرائب، ودافع عن البواخر، وسأل أين أموال الناس ولماذا ارتفعت الكلفة. ومن حقه أن يسأل. لكن من حق اللبنانيين أيضًا أن يسألوه: وأنت وتيارك، ماذا فعلتم عندما كانت وزارة الطاقة لسنوات طويلة أحد أبرز مواقع نفوذكم؟
لا يستطيع باسيل أن يتحدث اليوم عن الكهرباء وكأن تاريخ هذا القطاع بدأ مع الوزير الحالي. ولا يستطيع أن يدافع عن البواخر وكأن اللبنانيين نسوا سنوات الوعود والخطط والكلفة والعجز. كما لا يستطيع أن يتحدث عن فشل السلاح وكأنه كان يومًا من أشد المعارضين له.
هنا تكمن المشكلة السياسية في خطاب باسيل: يريد دائمًا أن يقف على الحد الفاصل بين المسؤولية والمعارضة. عندما تكون النتائج جيدة يكون شريكًا في الإنجاز، وعندما تأتي الفاتورة يصبح معارضًا لمن يدفعها. يهاجم الحزب عندما يحتاج إلى التمايز عنه، لكنه يتردد في القطيعة النهائية مع المعادلة التي جمعته به. ينتقد الحكومة على ما ورثته، فيما يتصرف كأن لا علاقة له بما سبقها.
لكن الذاكرة السياسية لا تعمل بهذه الطريقة.
من حق باسيل أن يعارض الحكومة، وأن يحاسبها، وأن يفضح تقصيرها إن وُجد. لكن المعارضة لا تمنح صاحبها براءة رجعية من كل ما شارك فيه قبلها.
والأهم أن كلامه الأخير وضعه أمام استحقاق لا يستطيع الهروب منه.
لقد قالها بنفسه: السلاح فشل في حماية لبنان.
إذًا، لا حاجة إلى مزيد من الالتفاف.
إذا كان قد فشل، فليس المطلوب إعادة تدوير وظيفته تحت اسم جديد، ولا البحث عن صيغة جديدة لإبقائه، ولا العودة إلى حوارات لا تنتهي.
المطلوب أن يعود السلاح والقرار والأرض إلى الدولة.
أما باسيل، فقبل أن يسأل الحكومة ماذا فعلت، عليه أن يجيب عن السؤال الذي فتحه كلامه بنفسه:
إذا كان السلاح قد فشل… فمن غطّاه كل هذه السنوات؟



