دوري شمعون… حين حوّل السوديكو بيتًا للبنان

شارل جبّور
رحل دوري كميل شمعون، فخسر لبنان قامةً من زمنٍ كانت فيه المواقف تُدفع أثمانها، وكان التمسك بلبنان يتطلب شجاعةً لا تساوم ولا تتعب ولا تنحني. رحل رجلٌ طبع حقبة أساسية من تاريخ لبنان بطابعه الخاص، وترك وراءه سيرة رجلٍ لم تنجح معه لا سياسة الترغيب ولا سياسة الترهيب.
حاول النظام الأمني اللبناني-السوري استمالته. عُرضت عليه المواقع والمناصب، وسُلكت معه كل طرق الإغراء السياسي، لعلّه يلين أو يبدّل أو يساير. لكنه رفض. كان يعرف تمامًا من هو، ومن أي مدرسة أتى، ولأي إرث ينتمي. كان دوري كميل شمعون ابن الرئيس الكبير كميل شمعون، ابن مدرسةٍ لبنانية واضحة، عنوانها السيادة والحرية والاستقلال والتعددية، ولذلك لم يكن ممكنًا أن يُستدرج إلى حيث أراد له الآخرون أن يكون.
وعندما لم ينفع الترغيب، حاولوا الترهيب. ظنّوا أن الضغط والتهديد يمكن أن يدفعاه إلى الخوف، وأن الخوف يمكن أن يقوده إلى الخضوع. لكنهم لم يعرفوا دوري كميل شمعون. لا الترهيب نجح، ولا الترغيب نفع.
مضى في طريقه، ثابتًا على مواقفه، متمسكًا بمبادئه وتاريخه وإرثه، وكأنه كان يعرف أن لبنان الذي يؤمن به لا يُحمى بالمساومات، بل بالثبات. ومن السوديكو، من بيت حزب الوطنيين الأحرار، جعل دوري شمعون بيته بيتًا لكل الأحرار في لبنان.
فتح أبوابه أمام كل لبناني مخلص، وكل سيادي، وكل معارض لربط لبنان بالنظام الأسدي. تحول السوديكو إلى خلية نحل سياسية ووطنية: اجتماعات، لقاءات، تنسيق، تنظيم، تحضير، وتوحيد للصفوف. كان السوديكو مساحةً لبنانية مفتوحة. كان بيتًا جمع فيه دوري شمعون المختلفين حول قضية واحدة: لبنان.
وكان يعرف أن مواجهة الاحتلال السوري ومشروع الوصاية لا يمكن أن تنجح إذا بقي اللبنانيون متفرقين. لذلك عمل بلا كلل على جمعهم، وكان مقتنعًا بأن توحيد الصفوف هو الطريق الأقصر إلى استعادة لبنان حريته وسيادته. وهنا تكمن مساهمته الأساسية في إخراج جيش الأسد من لبنان.
لم يكن دوري شمعون مجرد واحد من المعارضين للنظام الأسدي. كان في صلب المواجهة، وفي مقدمة الذين رفضوا أن يتحول لبنان إلى ملحق بالنظام الأسدي، وفي مقدمة الذين حافظوا على جذوة المعارضة اللبنانية عندما كانت مواقف كثيرين خافتة، وحسابات كثيرين ملتبسة.
كان صوته واضحًا عندما كان الوضوح مكلفًا. وكان موقفه عاليًا عندما كانت مواقف الآخرين منخفضة. ولم يهب. حتى عندما وصلت التهديدات إلى حد التلويح بالاغتيال، لم يتراجع. لم يبدّل خطه، ولم يغيّر مواقفه، ولم يبحث عن مخارج شخصية. كان دوري شمعون، ببساطة، رجل موقف.
وفي الحياة كما في السياسة، كان له وجه آخر لا يقل أهمية عن صلابته: رجلٌ خلوق، متواضع، محب، صاحب قلب كبير، وزاهد في المواقع والأضواء. وربما لهذا السبب تحديدًا كان حضوره قريبًا من الناس، وحوّل السوديكو إلى بيت للبنانيين. لم يكن يجمعهم بالسلطة، بل بالمحبة. ولم يكن يوحّدهم بالمصلحة، بل بالقضية.
وحين جاءت 14 آذار، كان دوري شمعون في مقدمة صفوفها، وفي مقدمة المواجهة مع مشروع 8 آذار والحزب الإيراني، كما كان في مقدمة النضال من أجل لبنان السيد الحر المستقل. كان يرى أن القضية واحدة، وإن تعددت محطاتها: إخراج جيش الأسد من لبنان، مواجهة مشروع الحزب الإيراني، رفض ازدواجية السلاح، والتأكيد أن لا سلاح في لبنان إلا سلاح الدولة.
لهذا، فإن رحيل دوري شمعون ليس رحيل رجل سياسي فحسب. إنه رحيل قامة لبنانية تاريخية حملت لبنان في قلبها، ومضت في أصعب المراحل من دون أن تخونه أو تساوم عليه. نفتقد اليوم رجلًا كان وفيًا حتى النهاية للقضية، للخط اللبناني، للولاء اللبناني، وللانتماء اللبناني.
نفتقد رجلًا كان يعرف أن السياسة تتغير، والتحالفات تتبدل، والظروف تنقلب، لكن لبنان لا يتغير. ونفتقد رجلًا كان السوديكو عنده أكثر من بيت. كان السوديكو لبنانًا مصغرًا. بابه كان مفتوحًا لكل من يريد لبنان حرًا، سيدًا، مستقلًا.
وسيظل دوري شمعون، في ذاكرة لبنان، واحدًا من الرجال الذين وقفوا عندما كان الوقوف صعبًا، وثبتوا عندما كان الثبات مكلفًا، وفتحوا أبوابهم عندما كان كثيرون يغلقون أبوابهم.
رحم الله دوري كميل شمعون. رحم الله رجلًا لم تُرعبه التهديدات، ولم تستمله الإغراءات، ولم تغيّره السنوات. ورحم الله قامةً لبنانيةً كبيرةً ستفتقدها الساحات، وسيبقى أثرها في لبنان الذي أحبّه وناضل من أجله.



