لبنان ثابت. الدولة ثابتة. والنظام هو المتحرّك.

لبنان والدولة والنظام السياسي في ذكرى اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل
شارل جبّور

في 14 أيلول 1982، اغتيل الرئيس المنتخب بشير الجميّل، في ذكرى أليمة لا تزال ماثلة في وجدان لبنان. اغتيل بشير لأنه شكّل فرصة تاريخية لإخراج لبنان من الفم الأسدي والإيراني، ومن دوره كساحة مفتوحة أمام الإرهاب الإقليمي، وإعادته إلى موقع الدولة الطبيعية ودورها. كان المطلوب أن يبقى لبنان ساحةً لمحور الإرهاب والشر في المنطقة، فكان اغتيال بشير محاولةً لإسقاط فرصة إنقاذ لبنان من هذا المحور.

وبعد 44 عامًا، لا بد من التوقف عند هذه الذكرى من زاوية تتجاوز الرثاء إلى استخلاص ما يجب أن يبقى ثابتًا وما يجب أن يتغيّر:

أولًا، الثابت الأول هو الجغرافيا اللبنانية.
رفع بشير الجميّل شعار “10,452”، وهو في جوهره امتداد لفكرة لبنان الكبير التي أرساها البطريرك إلياس الحويك عام 1920. وما لا أفهمه صراحةً هو كيف يمكن لمن يحمِّل البطريرك الحويك مسؤولية لبنان الكبير أن يصفّق في الوقت نفسه لشعار “10,452”؟ وهذا نقاش آخر سيكون له وقته، لكن في الحالتين نحن أمام الفكرة نفسها: لبنان بحدوده الجغرافية هو اليوم حقيقة ثابتة. العالم لا يتّجه، في المرحلة الحالية، إلى إعادة رسم الخرائط الجغرافية، وإن كان يشهد تبدّلات في الخرائط السياسية. لذلك فإن لبنان الكبير، كما تأسس عام 1920، يبقى ثابتًا جغرافيًا، ولا مجال لإعادة النقاش فيه على قاعدة التوسّع أو الانكماش.

ثانيًا، الثابت الثاني هو الدولة اللبنانية.
إن تغييب الدولة وشلّها وتعطيلها هو الذي أوصل لبنان إلى الدمار والخراب والفوضى والكوارث، فيما إرساء دعائمها، واحتكارها للسلاح والقرار، وإمساكها بحدودها وقرار الحرب والسلام هو الطريق إلى استقرار لبنان وازدهاره. فلا لبنان من دون دولة، ولا دولة مع ازدواجية السلاح والقرار.

ثالثًا، أما المتحرّك بين الثابتين، الجغرافيا والدولة، فهو النظام السياسي.
فمنذ دستور 1926 وحتى اليوم، نحن أمام تجربة عمرها مئة عام أثبتت أن النظام السياسي القائم فشل في إدارة التعددية اللبنانية، وفشل في تبديد الهواجس الوجودية للجماعات، وفشل في منع تحوّل الاختلافات الداخلية إلى صراعات مفتوحة كلما هبّت رياح المنطقة.

إذا كان الهدف من لبنان هو أن يبقى تعدديًا، وأن يشعر جميع مكوّناته بالأمان والاطمئنان، فإن المطلوب ليس القضاء على التعددية ولا القضاء على الطوائف، بل تغيير النظام السياسي الذي عجز عن حماية هذه التعددية. ومن يرفض أي نقاش جدي في تغيير النظام السياسي، في ظل تجربة مئة عام، إنما يدفع عمليًا نحو إبقاء أسباب الانفجار، ويعرّض التعددية نفسها للخطر.

وفي ذكرى اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل، يفترض التأكيد على المعادلة التالية:
الجغرافيا اللبنانية ثابتة.
الدولة اللبنانية ثابتة.
والمتحرّك هو النظام السياسي.

وما يجب فعله اليوم يبدأ بتنظيف المساحة الجغرافية اللبنانية من الممانعة وآثارها، تحت سلطة الدولة وبسلاح الدولة، وثم إقامة الدولة الفعلية التي تمسك وحدها بقرار الحرب والسلام وبالحدود والسيادة، ومن بعدها الانتقال إلى تغيير النظام السياسي بما يحفظ لبنان التعددي ويحصّن وحدته.

هذه هي الطريقة التي نخرج بها نهائيًا من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة الحقيقية. وإذا كان بشير الجميّل قد اغتيل لأنه مثّل محاولة لإخراج لبنان من المحور الإقليمي الإرهابي وتحويله إلى دولة فعلية، فإن المطلوب اليوم استكمال المسار الذي مثّله: لبنان ثابت، الدولة ثابتة، والنظام هو المتحرّك.