البيئة الحاضنة تطالب بحضانة الدولة

الأباتي بولس نعمان ودوره في الدفاع عن الحرية والوجود المسيحي والكنيسة في لبنان

لطالما قدّم “الحزب” نفسه على أنه التعبير الطبيعي والوحيد عن مزاج الجنوب، وخصوصًا عن النبطية وبيئتها. وكلما طُرح ملف السلاح أو حصرية قرار الحرب والسلم، خرج من يقول إن “الأهالي مع المقاومة”، وإن “البيئة الحاضنة” لا تريد بديلًا عنها، وكأن هذه البيئة كتلة صمّاء لا رأي لها خارج ما يقوله الحزب ومناصروه.

لكن ما جرى في النبطية خلال زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون قال شيئًا مختلفًا تمامًا.

لم يكن هناك مهرجان حزبي، ولا جمهور منظّم، ولا هتافات معدّة سلفًا. كان هناك مواطنون التقوا رئيس الجمهورية في الشارع، وتحدثوا إليه بعفوية كاملة. أحدهم قال له بوضوح: “نحن بدنا ياك تكون معنا”، فرد عون: “جيت أقولكم نحن حدكم ونحن موجودين… الدولة كلها حدكم”. ومواطن آخر اختصر ما يريده الناس بأبسط الكلمات: “بدنا الأمان والاطمئنان… عندنا أطفال بدها تعيش، تشردنا وتبهدلنا”.

هذه ليست تفاصيل عابرة.

هذه هي السياسة الحقيقية عندما تخرج من أفواه الناس من دون خطابات مكتوبة ومن دون غرف إعلامية.

الناس لم تطلب مزيدًا من الحروب، ولم تطلب فتح جبهة جديدة، ولم تتحدث عن “توازن ردع” ولا عن “محور” ولا عن “ساحات”. طلبت الأمن، والخدمات، والمدارس، والقدرة على البقاء في أرضها، والدولة إلى جانبها.

وهذا المشهد لا يأتي من فراغ.

قبله خرج “نداء النبطية الثاني” مطالبًا بحضور الجيش والدولة، وبحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، ورافضًا أن تكون النبطية متراسًا لأي محور. واليوم، يأتي المشهد الشعبي العفوي ليقول، بطريقته، شيئًا قريبًا جدًا من مضمون ذلك النداء.

ليس المطلوب أن نبالغ ونقول إن كل النبطية أصبحت في مكان سياسي واحد، ولا أن نزعم أن كل أهل الجنوب انقلبوا على الحزب. لكن المطلوب أيضًا أن يتوقف الحزب وممانعوه عن احتكار الكلام باسم الناس، وكأن كل من يعيش في الجنوب قد وقّع لهم تفويضًا مفتوحًا بالحرب والسلاح والقرار.

لم يفعل.

والدليل أن جزءًا من الناس بات يقول بوضوح إنه يريد الدولة.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى رواية “البيئة الحاضنة”.

فالبيئة الحاضنة، عندما تخاف على أولادها، لا تسأل عن الشعارات بل عن الأمان. وعندما تُهجّر، لا تسأل عن المحاور بل عن العودة. وعندما تتعطل المدارس وتنهار الخدمات، لا تسأل عن ميزان القوى الإقليمي بل عن دولة تقوم بواجباتها.

وهذا ما فهمه عون في زيارته إلى النبطية.

لم يأتِ إليها بمفردات المواجهة، بل بقائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية. لم يقل للناس إن المطلوب منهم مزيد من الصبر على حرب لا تنتهي، بل قال إن الدولة إلى جانبهم، وإن الأمن والخدمات واحتياجات المنطقة مسؤولية مؤسساتها.

هذه هي المعادلة التي يخشاها الممانعون فعلًا.

لأن حضور الدولة في النبطية لا يعني فقط انتشارًا أمنيًا. يعني سقوط حجة أن الناس لا تثق إلا بالسلاح خارج الدولة. يعني أن هناك نموذجًا آخر يمكن أن يفرض نفسه: رئيس جمهورية، جيش، أجهزة أمنية، بلديات، مؤسسات، خدمات، ومواطنون يخاطبون الدولة مباشرة بدل المرور عبر تنظيم مسلح.

وهنا يصبح السؤال للحزب مباشرًا.

إذا كنت تقول إنك تحمل السلاح لحماية هذه البيئة، وهذه البيئة نفسها بدأت تطلب حماية الدولة، فلماذا تتمسك بالسلاح؟

إذا كان الناس يريدون الجيش، فلماذا تصر على أن يبقى إلى جانب الجيش سلاح آخر وقرار آخر؟

وإذا كان أهل النبطية يريدون أن يعيش أولادهم بأمان، فلماذا يبقى مصيرهم مربوطًا بقرار حرب لا يملكونه ولا تملكه الدولة؟

لا أحد يطلب من الحزب أن يصدّق خصومه.

فليسمع الناس.

لا أحد يطلب منه أن يقتنع بما تقوله الأحزاب الأخرى.

فليقرأ ما يقوله أبناء النبطية أنفسهم.

ولا أحد يطلب منه أن يتخلى عن ادعائه بأنه يحمي بيئته.

المطلوب أبسط من ذلك: إذا كنت فعلًا تريد حمايتها، فسلّم حمايتها إلى الدولة.

البيئة الحاضنة لم تعد تحتاج إلى من يتكلم باسمها. تحتاج إلى من يسمعها. وهي اليوم تطالب بحضانة الدولة.

وحين تصبح الدولة هي الحاضنة، لا يعود هناك مبرر لسلاح خارجها.

سلّم سلاحك، واترك الجيش والدولة يحميان الناس التي تقول إنك تحمل السلاح من أجلها.