يا سيزار… المعملان من عهدكم، والمشكلة أيضًا من عهدكم

خرج النائب سيزار أبي خليل ليقول للبنانيين إن معملي الزوق 2 والجية الجديد هما من أحدث وأوفر معامل إنتاج الكهرباء في لبنان، وإن تشغيلهما اليوم يمكن أن يكون مربحًا لمؤسسة كهرباء لبنان، ثم سأل لماذا لا تشغلهما وزارة الطاقة و”القوات اللبنانية”.
السؤال مشروع، لكن المشكلة أن أبي خليل يروي نصف القصة فقط.
صحيح أن المعملين دخلا الخدمة عام 2017 وأضافا قدرة إنتاجية مهمة إلى الشبكة، لكنهما لم يكونا وحدهما من أوصل التغذية إلى المستويات التي يتحدث عنها أبي خليل. حتى كهرباء لبنان تحدثت يومها عن نحو ثلاث ساعات إضافية من التغذية نتيجة تشغيلهما، فيما كانت بقية الساعات تأتي من مصادر أخرى، بينها البواخر ومعامل الإنتاج الأخرى.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
إذا كان الزوق 2 والجية الجديد بهذه الكفاءة وهذه الجدوى منذ 2017، فلماذا استمر الاعتماد على البواخر المستأجرة بعد دخولهما الخدمة؟
بل أكثر من ذلك، ففي العام نفسه الذي دخل فيه المعملان الجديدان الخدمة، كان سيزار أبي خليل وزيرًا للطاقة ويطرح خطة تتضمن استقدام بواخر إضافية لزيادة الإنتاج، بعدما كان لبنان أصلًا يعتمد على باخرتين مستأجرتين منذ سنوات.
فإذا كانت هذه المعامل الجديدة هي “الأرخص” و”الأوفر” و”المربحة”، كما يقول اليوم، لماذا لم تكن الأولوية يومها لتثبيت تشغيلها وصيانتها وتوسيع الإنتاج البري بدل الاستمرار في الحلول المؤقتة في البحر؟
هذه ليست مسألة تفصيلية، بل هي في صلب النقاش.
أبي خليل يريد اليوم أن يقول للبنانيين إن الحل موجود أمام أعينهم: معملان جديدان، فيول موجود، وكلفة إنتاج منخفضة، وكل ما ينقص هو قرار التشغيل. لكن معامل الكهرباء لا تعمل بهذه البساطة. هناك عقود تشغيل وصيانة، وصيانات دورية وأساسية، وقطع غيار، وتسليم فني، وتجهيزات يجب أن تكون جاهزة وقابلة للعمل بأمان واستمرار.
وهذه المشاكل لم تبدأ مع الوزير الحالي.
عقود تشغيل المعملين وصيانتهما تعود إلى سنوات طويلة، والملف عرف أصلًا خلافات وتأخيرات منذ مراحل سابقة. لذلك لا يجوز أخذ نتيجة تراكم سنوات من الإدارة والعقود والصيانة، ثم تقديمها اليوم وكأنها مشكلة صنعتها “القوات اللبنانية” خلال أشهر.
حتى مناقصة التشغيل والصيانة التي يتحدث عنها أبي خليل لم تبدأ أصلًا في عهد جو صدي، بل انطلقت قبل تسلمه وزارة الطاقة، ثم جرى تمديد مهلها وتعديل شروطها وصولًا إلى مرحلة لم يتقدم فيها عارض لتولي المهمة.
هذه الوقائع لا تعفي الوزارة الحالية من المسؤولية. بالعكس، المطلوب منها أن تشرح للبنانيين بوضوح لماذا لا يعمل المعملان، وما الذي يمنع تشغيلهما، ومتى ستتم معالجة الملف. وإذا كان بالإمكان تشغيلهما اليوم بكلفة أقل فعلًا، فلا يوجد أي مبرر لإبقائهما متوقفين.
لكن المحاسبة لا تبدأ من شباط 2025 أو من وصول القوات إلى وزارة الطاقة.
هي تبدأ من أصل الملف.
أبي خليل نفسه كان وزيرًا للطاقة عندما دخل المعملان الخدمة، والتيار الوطني الحر أمسك بالوزارة سنوات طويلة. فإذا كان المعملان اليوم يحتاجان إلى عقود جديدة وصيانات وتسويات فنية حتى يعودا إلى الإنتاج، فمن الطبيعي أن يُسأل من أدار هذا القطاع طوال تلك المرحلة كيف وصلنا إلى هذه النتيجة.
والأهم أن خطاب أبي خليل اليوم يفتح عليه سؤالًا أكبر من السؤال الذي طرحه هو.
إذا كانت معامل البر بهذا القدر من الجدوى، فلماذا بقي لبنان لسنوات يدفع كلفة البواخر المستأجرة؟
وإذا كانت الأولوية فعلًا دائمًا للكهرباء الأرخص، لماذا بقي “الحل المؤقت” عائمًا قبالة الشاطئ حتى بعد دخول معامل حديثة إلى الخدمة؟
من حق سيزار أبي خليل أن يسأل وزارة الطاقة الحالية عن كل يوم لا تعمل فيه هذه المعامل.
لكن من حق اللبنانيين أيضًا أن يسألوه عن السنوات التي سبقت هذا اليوم.
يا سيزار، لا تختصر أزمة عمرها سنوات بوزير وصل منذ أشهر. المعملان من عهدكم، وسياسة البواخر من عهدكم، وعقود التشغيل والصيانة من عهدكم، وجزء كبير من المشكلة التي تحاول اليوم تحميلها لغيركم وُلد أيضًا في عهدكم.
قبل أن تسأل فقط: لماذا لا يعملان اليوم؟
هناك سؤال أسبق وأهم:



