هل يستوعب الحزب؟ وهل يستدرك المجلس الشيعي؟

لم يعد هناك ما يمكن الالتباس حوله، ولا ما يمكن تأويله أو المراهنة على تبديله. السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى أبلغ، عبر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، رسالة واضحة إلى «حزب الله»: لا انسحاب إسرائيليًا من لبنان من دون تسليم سلاحه للدولة اللبنانية. وهذا يعني، عمليًا، أن استمرار الوجود الإسرائيلي واستمرار الحرب والدمار والنزوح مرتبطان قبل أي شيء آخر باستمرار «الحزب» في الاحتفاظ بسلاحه.
فهل يفهم «الحزب»؟ وهل يستدرك المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أن استمرار تغطية هذا السلاح لا يحمي البيئة الشيعية، بل يدفع بها من السيئ إلى الأسوأ؟
المسألة لم تعد نظرية ولا مرتبطة بشعارات «المقاومة» ومقولاتها التي سقطت في الميدان. هناك واقع لبناني جديد فرضته الحرب: هذا السلاح لم يعد قادرًا على حماية نفسه، ولم يعد قادراً على الكذب بانه يواجه إسرائيل، ولم يعد قادرًا على منعها من التقدم المتواصل في الأراضي اللبنانية. بل العكس تمامًا: تحوّل إلى السبب المباشر لاستمرار المواجهة، ولإبقاء الجنوب وأهله تحت وطأة الحرب والدمار وعدم الاستقرار.
والأخطر أن هذا السلاح ليس سلاح الدولة اللبنانية، ولا يخضع لقرارها، ولا يرتبط بمصالح لبنان الوطنية، بل استُخدم في معارك تخدم المشروع الإيراني وتُخاض على أرض لبنان وباسم لبنان، خلافًا لمنطق الدولة والدستور والقوانين والقرار اللبناني الرسمي.
أما النتيجة على البيئة الشيعية، فهي واضحة: نكبة متتالية، ودمار، ونزوح، وانهيار اقتصادي واجتماعي، وتعطيل لمقومات الحياة الطبيعية، فيما يبقى السؤال البديهي بلا جواب: ماذا حصد الجنوب والشيعة في لبنان من كل هذه الحروب الإيرانية؟
لقد سقطت أيضًا أوهام القدرة العسكرية التي جرى تسويقها طوال سنوات. قيل إن «الحزب» قادر على منع إسرائيل، وقيل إنه قادر على ردعها، وقيل إنه قادر على احتلال أراضٍ إسرائيلية. لكن الوقائع أثبتت شيئًا آخر: إسرائيل استطاعت أن تضرب بنيته العسكرية، وأن تتقدم وتسيطر على مواقع استراتيجية، وأن تبقي قواتها في أجزاء من الجنوب، فيما بقي «الحزب» عاجزًا عن فرض المعادلة التي لطالما بشّر بها جمهوره.
والأهم أن هذه الحرب لم تكن حرب لبنان، لأن الدولة اللبنانية لم تتخذ قرار خوضها. كانت حربًا يخوضها «الحزب الإيراني» خدمةً لأجندة إيرانية، فيما دفع لبنان واللبنانيون، والبيئة الشيعية تحديدًا، ثمنها من أرواحهم وبيوتهم وأرزاقهم ومستقبلهم.
لذلك، فإن الرسالة الأميركية ليست فقط إلى «الحزب الإيراني»، بل إلى كل من يغطيه ويبرر استمرار سلاحه: إذا كنتم تريدون عودة أهل الجنوب إلى أرضهم، وإعادة الإعمار، ووقف الحرب، واستعادة الاستقرار، فالطريق واضح: تسليم السلاح للدولة.
لا يمكن المطالبة بانسحاب إسرائيل مع الإصرار في الوقت نفسه على إبقاء السلاح الذي تقول إسرائيل إنه يشكّل تهديدًا لها. ولا يمكن مطالبة العالم بمساعدة لبنان على الخروج من الحرب، فيما يحتفظ تنظيم مسلّح بقرار الحرب والسلم خارج الدولة.
لقد باتت المعادلة مكشوفة: السلاح يبقي الحرب، وتسليم السلاح يفتح طريق الانسحاب والاستقرار. فهل يستوعب «حزب الله» هذه الحقيقة؟ وهل يستدرك المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أن حماية الطائفة الشيعية لا تكون بحماية سلاح جرّ عليها الويلات، بل بحماية أبنائها من حرب جديدة، وبإعادة قرارهم وقرار لبنان إلى الدولة؟
الوقت لم يعد وقت المكابرة. فإسرائيل لن تنسحب لمجرد المطالبة بانسحابها، والمجتمع الدولي لن يتعامل مع سلاح خارج الدولة وكأنه تفصيل داخلي. والطريق الوحيد للخروج من هذه الدوامة هو أن يصبح السلاح في عهدة الدولة اللبنانية.
فهل يستوعب الحزب؟ وهل يستدرك المجلس؟ أم أن المطلوب أن يدفع اللبنانيون، والشيعة خصوصًا، ثمن الرهان الإيراني إلى ما لا نهاية؟



