لا أحد يقول إن رئيس الجمهورية عاجز… السؤال: متى تنفّذ الدولة قراراتها؟

تنفيذ قرارات الدولة اللبنانية والانتقال من إصدار القرارات إلى تطبيقها واستعادة السيادة

لا أحد يقول إن رئيس الجمهورية عاجز، وهذا القول لم يرد في خطاب رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، لا من قريب ولا من بعيد. بل على العكس تمامًا، فقد كرّر «الحكيم» في خطابه، وبوضوح، أهمية الخطوة التفاوضية التي قام بها رئيس الجمهورية، وأهمية فتح باب التفاوض باعتباره محاولة لإضاءة شمعة في العتمة.

فالموقف واضح: رئيس الجمهورية حاول فتح مسار تفاوضي، وهذه خطوة إيجابية، فيما الطرف الذي يرفض التفاوض هو «حزب الله». ولا خلاف أيضًا على أن المسؤولية الأساسية في إيصال لبنان إلى هذا المأزق تقع على من صادر قرار الدولة، وورّطها، وحوّلها إلى ساحة لمشروع لا علاقة له بالمصلحة اللبنانية.

أما الذهاب إلى تبريرات من قبيل أن الجيش «ينكسر» إذا واجه «الحزب الإيراني»، وأن الجيش لا ينبغي أن يدخل في مواجهة معه، وأن إسرائيل لا تحتاج إلى هدية أكبر من انتقال النزاع من مواجهة معها إلى مواجهة بين اللبنانيين، أو أن الفارق بين منبر معراب وقصر بعبدا هو أن الخطيب يُحاسب على وقع كلماته فيما الرئيس يُحاسب على دماء الناس، فكل ذلك في غير محلّه.

لأن السؤال الذي تطرحه «القوات اللبنانية» ليس: لماذا لا يذهب رئيس الجمهورية إلى الحرب؟ وليس: لماذا لا يواجه الجيش اللبناني «الحزب الإيراني» عسكريًا غدًا؟

السؤال أبسط وأعمق في آن: إلى متى يبقى لبنان معلّقًا بين رفض «حزب الله» تسليم سلاحه، وبين عدم ذهاب الدولة إلى تنفيذ قراراتها؟

وهنا بيت القصيد. لقد أكّد الدكتور جعجع في خطابه أن ما يجمعه برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هو الهدف نفسه. وهذا أمر محسوم ومفروغ منه. لكن الوصول إلى الهدف لا يكون بالشعارات ولا بالقرارات وحدها، بل بترجمة القرارات إلى خطوات تنفيذية تحمي الدولة والناس وتعيد الاعتبار إلى مفهوم السيادة.

فمن المسؤول عن التنفيذ؟ ولماذا تتخذ الدولة القرارات ثم تتردد في تنفيذها؟ ولماذا تبقى القرارات معلقة، فيما يستمر اللبنانيون في دفع الثمن، وتستمر معاناتهم، وتحديدًا معاناة البيئة الشيعية التي دفعت الثمن الأكبر نتيجة سياسة «الحزب الإيراني» وقراره إبقاء لبنان في دائرة الحرب؟

ليس المطلوب من الدولة أن تذهب إلى مواجهة أهلها، ولا أن تزج الجيش في حرب أهلية. المطلوب أن تقوم الدولة بوظيفتها الطبيعية: أن تطبّق دستورها، وتنفيذ قراراتها، وتفرض سلطتها، وتحمي مواطنيها، وتضع حدًا لازدواجية القرار والسلاح.

والسؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما نستعيد ما حصل في تسعينيات القرن الماضي. آنذاك، اتخذت الدولة اللبنانية قرارات حاسمة بحل «القوات اللبنانية»، رغم أنها كانت الفريق اللبناني الذي أيد اتفاق الطائف وطالب بخروج الجيش السوري من لبنان ونزع السلاح غير الشرعي. لم تتعامل الدولة آنذاك مع مفهوم السيادة باعتباره وجهة نظر، ولم تعتبر أن تنفيذ قراراتها يحتاج دائمًا إلى ذرائع وتأجيلات.

أما اليوم، فنحن أمام حالة مختلفة في الشكل ولكنها أخطر في الجوهر: تنظيم يرفض الدستور عندما لا يناسبه، ويواصل الانقلاب على الدولة، ويتمسك بشعاراته ومقارباته، ويصر على الاحتفاظ بسلاحه، فيما هذا السلاح يشكّل، في جوهره، ضربًا لمبدأ الدولة والسيادة، ولا يمكن فصل نشأته وارتباطه عن المشروع الإيراني.

فلماذا لا تطبّق الدولة دستورها؟ ولماذا لا تنفّذ قراراتها؟ ولماذا يجب أن تبقى البلاد رهينة انتظار دائم، فيما «حزب الله» يرفض التسليم، والدولة تكتفي بإصدار القرارات؟ كيف تنتهي هذه الجلجلة؟

المطلوب ليس قرارًا جديدًا فوق القرارات الموجودة، ولا خطابًا أعلى سقفًا من الخطابات السابقة، بل الانتقال من مرحلة القرار إلى مرحلة التنفيذ. فالدولة لا تُقاس فقط بما تقوله، بل بما تفعله. وهي لا تستعيد هيبتها عبر البيانات، وإنما عندما يصبح قرارها نافذًا على أرض الواقع. والسيادة ليست موقفًا سياسيًا يُعلن، بل ممارسة يومية تبدأ باحتكار الدولة وحدها قرار الحرب والسلم والسلاح.

لقد حاول رئيس الجمهورية أن يفتح نافذة للتفاوض، وهذا أمر إيجابي ومطلوب. لكن التفاوض ليس بديلًا من الدولة، كما أن التفاوض لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لتعليق التنفيذ إلى ما لا نهاية.

البلد لا يستطيع أن يبقى في المنطقة الرمادية: «حزب الله» يرفض تسليم سلاحه، والدولة تتردد في تنفيذ ما قررته. آن أوان الانتقال من القرارات إلى التنفيذ.

فما يحتاجه لبنان اليوم ليس دولة تبرّر عجزها، بل دولة تعرف مسؤولياتها، وتحمي شعبها، وتتمسك بدستورها، وتنفّذ قراراتها، وتستعيد هيبتها.

وعندها فقط يبدأ الخروج الحقيقي من هذه الجلجلة.